الأربعاء, 14 نوفمبر 2018

قرار ترامب.. الرصاصة التي أعادت الجسد المريض للتعافي

سقوط رهانات السلام وإعلان موت التسوية.. والعرب يستعيدون الوعي بالقضية المركزية

الأربعاء 13 ديسمبر 2017 07:20 م بتوقيت مسقط

000_V08A4
000_V46WH
000_V473S
000_V3950

 

≤ القرار أنهى "الدور الوظيفى" الأمريكي فى العلاقة بين العرب والاحتلال

 

 الرؤية - خالد أحمد

عدد الشهداء في تزايد مستمر، وعدد المصابين كذلك، منذ قرار ترامب الذي أطلق رصاصة على جسد مريض، فعاد صحيحاً ينبض بالحياة والغضب.. يمكن من هذه الزاوية النظر للقرار الأمريكي بما صاحبه من عجرفة وصلف وتعالٍ على الشعوب العربية، وربما العالم كله، والاطمئنان إلى أن الأمر لا يخلو من إيجابيات، بل إن القرار قد يكون بوابة للعبور إلى مرحلة جديدة للمنطقة بأسرها، وفي قلبها فلسطين المحتلة.

قبل يومين، تداول النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو لشاب فلسطيني، يواجه عددا من جنود الاحتلال، ويخبرهم بثقة وقوة أنهم سيندمون على اليوم الذي وُلدوا فيه على هذه الأرض، وهو مُواطن من شعب كلنا يعلم تاريخه في المقاومة والبقاء، وإيمانه بحقه وقدرته على استرداده مهما كانت الخسائر.

السؤال الآن: ماهي تلك الفوائد التي سيحققها قرار ترامب؟

الفائدة الأولى: أنه ألقى حجراً كبيرًا في بحيرة ساكنة منذ سنوات، بعد أن كانت بحراً يهدر بأمواج الغضب.. سكنتْ منذ انطفأت جذوة "الربيع العربي"، وبردت نار الغضب في الشوارع والميادين، وها هي الميادين تعود من جديد لاحتضان الغاضبين، لكنهم هذه المرة توحدوا حول قضية واحدة.

وها هم العرب يستعيدون وعيهم بقضيتهم المركزية، فلسطين والقدس والأقصى، وها هو العالم كله ينتصر للحق، ويتصدى للاستهانة الأمريكية بالشرعية الدولية.

الفائدة الثانية: القرار كان بمثابة ضوء ساطع وُجِّه نحو مناطق مظلمة لم تكن مرئية؛ بمعنى أن الجميع مطالب باتخاذ موقف؛ سواء كان هذا الموقف عبارة عن بيان هزيل أو موقف قوي، أو الاسترسال في كلام بلافائدة في اجتماعات عديمة الجدوى، أو الصمت وإعداد العُدة من أجل رد فعل مناسب.

لمزيد من التوضيح، يُمكن استحضار تعليق معالي يوسف بن علوي بن عبدالله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية، على مداخلات وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الطارئ بالقاهرة، عندما قال إنَّه يؤيد جميع المداخلات والخطط الإيجابية والخطب التي ألقيت في الاجتماع، وهو يزكيها كونها "ترفع النفس وتقوي النظرة إلى المستقبل"، لكنها لا تكفي "في جامعة قوية للدول العربية تعمل في مجال السياسة". وأكمل معاليه: "ليس من حُسن التصرف أن نعبر عن مشاعرنا، ونستنكر ما يقوم به الآخرون ولا نفعل شيئًا"، مضيفًا: "إذا أردنا أن نُطاع، ينبغي علينا أن نتصالح مع العالم". مشيرًا إلى أن اللجنة المختصة عقدت اجتماعًا لمدة 3 ساعات: "لكننا لم نخرج منها بشيء، وهي لا تملك رؤية واضحة للعمل". واعتبر أن الأمر "لا يعالج بكثرة الكلام، وإنما ينبغي علينا أن نتلمس طريقنا في هذا العالم المضطرب".

الفائدة الثالثة؛ وهي الأهم والأكثر وضوحا: هذا الغضب الساطع الآتي من الأرض المحتلة، البوابة التي فتحت ولن تغلق حتى تقضي إرادة الجماهير أمرها، وتحصل على أرضها المحتلة؛ لهذا كان حسن نصر الله أمين عام حزب الله اللبناني، حريصاً في كلمته التي ألقاها أمام مظاهرات حاشدة نصرةً للقدس في الضاحية اللبنانية، عندما ركز على مخاطبة الشعب الفسطيني، مؤكداً أن الانتفاضة الثالثة بدأت وحان الوقت للتركيز على مواجهة الاحتلال.

وفيما يخص "حزب الله"، فمن الصعب توقع خطواته القادمة، لا مكانها، ولا ثقلها، ولا آثارها بالطبع، لكن يمكن الشعور بالاطمئنان قليلاً، إلى أن أي وعد تطلقه قيادة "حزب الله" تقوم بتنفيذه، والتاريخ يُثبت ذلك، بل إن أفراد المقاومة بالحزب هم آخر عرب في التاريخ سجلوا بطولات وانتصارات على دولة الاحتلال.

في الداخل الفلسطيني، لا يزال الغليان في تصاعد، رغم توقعات مخيبة للآمال من بعض المراقبين "المحايدين" بأنها مجرد حالة غضب مؤقتة، إلا أن الفترة الزمنية اللاحقة للقرار لا تزال قصيرة وغير كافية لا للشعب الفلسطيني كي يلتقط أنفاسه ويتدبر أمره ويكمل غليانه، ولا لمراقب يبحث عن معطيات يصدر بعدها حكماً.

 

رهان ترامب الخاسر!!

على أيِّ شيء راهن الرئيس الأمريكى عندما أقدم على إعلان قراره الاعتراف بالقدس عاصمة الاحتلال؟

هو يدرك بطبيعة الأمر أنه يتحدى كافة القرارات الصادرة عن الشرعية الدولية، خاصة من الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، التى تتعارض كلها مع قراره ابتداءً من قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 لسنة 1947، وامتداداً إلى القرار 242 لسنة 1967 الصادر عن مجلس الأمن، والذى نصَّ على الانسحاب من كل الأراضى التى احتلتها بعدوانها فى الخامس من يونيو من ذلك العام ومنها القدس، والقرار 478 لسنة 1980 الرافض لقرار حكومة الاحتلال بضم القدس، وانتهاءً بالقرار رقم 2334 لسنة 2016 القاضى بعدم الاعتراف بأى تغييرات يجريها الاحتلال على خطوط عام 1967 ومنها القدس، فضلاً عن العديد من القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وآخرها القرار الصادر قبل أيام قليلة من إعلان ترامب، والذى أكد أن لا صلة للقدس بدولة الاحتلال، والصادر بأغلبية 151 دولة، مقابل امتناع 9 دول، ورفض 6 دول فقط.

أي أن ترامب كان يدرك أنه يتحدى العالم بأكمله، ويؤكد عدم احترامه للشرعية الدولية، لكنه في نفس الوقت يدرك جيداً أن العرب قد يكون بمقدورهم إعلان الرفض، لكن ليس بمقدورهم إعلان التحدي عمليًّا؛ إما لأنه يدرك -حسب د. محمد السعيد إدريس- أن أمن ومصالح دول المنطقة مرتبط عضويًّا بالولايات المتحدة، أو لأنه يدرك مدى التحولات التى حدثت فى الفترة الأخيرة فى منظومة العلاقات الإقليمية، وأدت لتراجع أولوية ومكانة القضية الفلسطينية، ومجمل الحقوق الفلسطينية، وفى القلب منها قضية القدس، لصالح أولويات أخرى.

قبل هذا، كان الرهان على استقرار أمر واقع فرضه الاحتلال على القدس منذ احتلالها؛ بممارسة كاملة للنفوذ والتهويد في المدينة المقدسة، وقد يكون قرار ترامب من وجهة نظره اعتراف "شجاع" بالأمر الواقع، وهذا حسب مراقبين صحيح إلى حد كبير.

 

ما لم يستطع ترامب أن يدركه

لكنَّ د. محمد السعيد إدريس يوضح هذه النقطة بقوله: ما لم يستطع ترامب أن يدركه، أنه بهذا القرار أنهى كل ما كانت تتمتع به بلاده من مكانة فى "مشروع السلام الوهمي"، الذى عاشه العرب منذ انخراطهم به، وأنه أنهى "الدور الوظيفى الأمريكي" فى العلاقة بين العرب ودولة الاحتلال، فقد أسقط معادلة تاريخية كانت لها أطرافها الثلاثة: الولايات المتحدة ودولة الاحتلال والدول العربية "المعتدلة"، حيث كان الاحتلال يُمعن -وبتنسيق مع واشنطن- فى العدوان والتنكيل بالشعب الفلسطيني، وكان العرب بدورهم يناشدون الولايات المتحدة بالتدخل لمنع العدوان والتهدئة، مقابل دفع الأثمان المطلوبة؛ إما بشراء صفقات أسلحة أمريكية بمليارات الدولارات، أو باستثمار المليارات فى أوعية ادخارية واستثمارية أمريكية. وكان الاحتلال يتراجع عن العدوان، أو يقبل بالتهدئة الأمريكية مقابل الحصول على الثمن فى شكل "نسبة من المكاسب". هذه المعادلة الخبيثة فَضَحها آرييل شارون رئيس وزراء الاحتلال الأسبق، عندما اعترض على المقابل "المحدود"، الذى كانت تحصل عليه إسرائيل، وطالب واشنطن بـ"دفع فارق الفاتورة".

لم تعد واشنطن بعد الآن، بفضل ترامب، وسيط سلام، لكن الأهم أنها باعترافها بالقدس عاصمة للاحتلال أسقطت خيار السلام الزائف، وأعادت لخيار المقاومة اعتباره، وأكدت نهاية مشروع التسوية، كما أعادت تأكيد وضع الاحتلال عدواً أوحد للعرب، ووضعت نهاية مبكرة لما عملت مع تل أبيب على فرضه من معادلة جديدة للصراع، تجعل إيران هى العدو، وتجعل من إسرائيل حليفاً للعرب، ضمن استقطاب إقليمى بين "محور سُني" و"هلال شيعي".

لقد سقطت كل رهانات السلام...،