الإثنين, 19 نوفمبر 2018

مقال : فلسطين.. الوطن المفقود في المناهج الدراسية

السبت 09 ديسمبر 2017 06:14 م بتوقيت مسقط

د. سيف المعمري

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب -الذي لا يعرف عن التاريخ إلا ما قد يُضاعف له أرباحه الاقتصادية- يضع فلسطين وعاصمتها القدس في الواجهة، ليست العربية والفلسطينية فحسب، وإنما العالمية؛ حيث توجد أجيال من الشباب العربي والفلسطيني، الذي لم يعد له معرفة بالقضية الفلسطينية، وكيف سُرق وطن بأكمله من الخرائط، ومن ثم سرق من المناهج الدراسية العربية، خاصة من نصوص التاريخ والتربية الإسلامية واللغة العربية التي درسناها في ثمانينيات القرن الماضي، نصا بليغا للشاعر السوري عبدالله العيسى يقول فيه:

فلسطين داري ودرب انتصاري

تظل بلادي هوى في فؤادي

ولحنا أبيا على شفتيا  

وجوه غريبة بأرضي السليبة

تبيع ثماري وتحتل داري

وأعرف دربي ويرجع شعبي

إلى بيت جدي إلى دفء مهدي

فلسطين داري ودرب انتصاري

نصٌ لم يحالف الحظ أبناء كثير من العرب دراسته، بعد أن سرقت فلسطين من الكتب المدرسية، التي لا يلتفت عادة أحد إلى معلوماتها المتضاربة وأخطائها، والغث الذي تضمه، والحقائق القديمة، والإحصاءات المزورة، ولكن الجميع من غرب وشرق التفت إلى وجود فلسطين، وقرروا أن السلام يتطلب تغيير العقول لكي تنسى وطنها وأرضها المحتلة، في حين لم يطالب أحد الدول التي تدرس الهولوكست بحذفه من المناهج الدراسية، رغم أنه بُني على حقائق أثبت مؤرخون أوروبيون معاصرون أنها مزيفة لا تقوم على أساس تاريخي، فلمَ تُدرس مأساة مزعومة، في حين يطالب بإقصاء مأساة مؤكدة وواضحة وجلية من المناهج الدراسية؟ سؤال يعود للواجهة بعد قرار الرئيس الأمريكي ترامب الموافقة على أن تكون القدس المدينة التاريخية المقدسة عاصمة لدولة إسرائيل، ومن ثم سينقل السفارة الأمريكية إليها، قرار آثار اهتماما عربيا رسميا خجولا جدا؛ لأن كثيرا من الدول مشغولة بهمومها وانقساماتها وأحزانها وصراعاتها، كما أثار اهتماما شعبيا في أكثره عد محاولة لتسجيل مواقف للتخلص من الشعور بالذنب تجاه التقصر في هذه القضية، بل إن هناك فئات محسوبة على دول عربية جاهرت بتصريحات تعكس الوضع الصعب الذي تعيشه فلسطين؛ حيث قالوا فلسطين ليست قضيتنا؛ وبالتالي القدس ليست مدينتنا، قضيتنا التنمية والحرية والديمقراطية، ولا أعرف كيف يصبح وجود بلد محتل لا يمثل قضية لأحد، ويزداد الاستغراب إن كان هذا هو عربي مسلم؛ لذا يبدو أن السياسة المتبعة نجحت بداية في نزع فلسطين من الخرائط، ومن ثم نزعتها من العقول. وبعد ذلك، تريد نزعها من القلوب، حتى نصل إلى مرحلة لا ينكر أحد ما يجري حتى بقلبه وذلك أضعف الإيمان، بل ربما في المستقبل القريب القادم يجرم من يتعاطف مع القدس وفلسطين أو يجرم من يتهم إسرائيل بسوء.

إن النكسة الحقيقية التي تعرضت لها القضية لم تكن في الهزائم المتتالية التي خاضها العرب في أكثر من حرب من أجل استراد الأراضي المحتلة، إنما كانت في معركة انتزاع المضامين والدروس المدرسية المتعلقة بفلسطين والقدس، وكأنها حرب على الذاكرة التي لا يراد لها أن تخصص ولو رفًّا صغيرا لدولة تدعى فلسطين، وكأنها معركة لاحتلال العقول لزرع حقائق وروايات مختلفة عما جرى؛ لدرجة أن أحد البلدان العربية أجرى ما يزيد على 200 تعديل في المناهج الدراسية، متعلقا بالقضية الفلسطينية من توقيع اتفاقيات السلام، بل إن وحدات دراسية تتعلق بالعدوان الإسرائيلي كانت تدرس وأُلغيت، وحدث هذا لكتب بأكلمها تدرس ما جرى من أجل بناء شخصية لا تتخلى إما عن الوطن الذي يعد فردوسا مفقودا لابد من العيش فيه، أو لا تتخلى عن القدس كمدينة مقدسة دينيا ليس للمسلمين، وإنما أيضا للمسيحيين؛ لذا مضى أكثر من عقدين من الزمان، وظهرت نتائج تلك الضغوطات في المناهج الدراسية التي وصلت حتى إلى أصحاب القضية نفسها الذين وجدوا أنفسهم أمام مناهج أيضا تتبدل، وينحسر ما فيها ما يوجد عن القضية الفلسطينية التي وصفها البعض، مؤخرا، بأنها قضية تجار كثيرين بها ولا يزالون، وهل بقيت قضية عربية لم يتاجر بها؛ فكل شيء عرضة للتجارة من الإنسان إلى الدين إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان، والثقافة الكل يتاجر ولكن الخسائر تتضاعف، وكأننا أمة أفضل ما تجيده هو بيع أثمن ما تملك بثمن بخس، ومن ثم يعمل كبارها وعقلاؤها على تضليل أجيال بأكلمها لكي لا تعرف ما يُراد بها، أو ما يدور حولها، في وقت يعمل الآخر على تدريس أجياله روايات غير صحيحة لجعلهم يعرفون ما يدور حولهم، أليست مفارقة غريبة جدا أن يحدث كل هذا؟

يحدث هذا الاقتلاع للقضية الفلسطينة في وقت لا تزال الكتب المدرسية في إسرائيل تزرع في عقول صغيرة ما يقود إلى كراهية مقيتة جدا؛ حيث أظهرت دراسة حديثة أجراها البروفيسور إيدير كوهين على تلاميذ المرحلة الابتدائية أن 75% يرون أن العربي يخطف الأطفال ويخرب الأراضي ويقتل، في حين أجاب 80 حين سئلوا عن العربي بأن له ذيلا وشعره أخضر وله ندبة في وجهه، يعيش في الصحراء ويرعى الأغنام. والأخطر من كل ذلك وهو الغاية من التعليم المغلوط الذي قدم لهؤلاء الأطفال أن 90% منهم يرون أنه لا حق للعربي في فلسطين، ويجب قتلهم أو ترحيلهم عنها.. هل خرجت مناشدات عربية أو عالمية تطالب إسرائيل بتنقية مناهجها من الدروس التي تحرض على قتل الفلسطينيين وتصفيتهم وإخراجهم من أرض ليس لهم حق فيها؟ إذن؛ لماذا حذفت كثير من الدروس المتعلقة بفلسطين في كتب الدول العربية؟ ولماذا همش تاريخ فلسطين بصفة خاصة وتاريخ العرب الحديث بصفة عامة ولم نعد نجد إلا حقائق بسيطة مبتورة هنا وهناك، كيف ستنشأ كل هذه الأجيال العربية دون أن تعرف تاريخها وحاضرها القريب وأسباب الإشكاليات التي تعيشها اليوم والقوى المسؤولة عن ذلك؟! إن تعليمًا يضلل العقول تعليمٌ يعد أخطر من معركة تجري لفترة قصيرة وتنتهي وتعرف آثارها مباشرة؛ لذا لابد من تكاتف التربويين لدراسة واقع القضية الفلسطينية وغيرها من القضايا العربية في المناهج الدراسية، علاوة على إجراء الدراسات التحليلية لمضامين الكتب المدرسية، ولو تبنت كلية تربوية في جامعة عربية مؤتمرا حول تدريس التاريخ العربي الحديث سيكون ذلك خطوة في طريق إيقاف هذه القطيعة التي تمارس ضد القضايا العربية في المناهج الدراسية، فتحقيق الانتصار في معركة التعليم والتربية قد يعوض عن كل الهزائم التي منيت بها هذه القضايا في المعارك العسكرية والسياسية والدينية.