الأحد, 18 نوفمبر 2018

مقال : العملة الرديئة تطرد الجيدة من التداول

الأحد 22 أكتوبر 2017 08:37 م بتوقيت مسقط

محمد البلوشي

التوجيهات السامية بتوفير 25 ألف وظيفة في قطاعات الدولة المختلفة، وفقا لبيان مجلس الوزراء مؤخرا، فتحت بابا جديدا أمام الشباب العماني التوَّاق للعمل والبناء والتعمير في بلاده، وأكدت إيمان القيادة الحكيمة والراسخة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- على منح الشباب الفرصة الكاملة كي يقوم بدوره في بناء وطنه وهي ضرورة حتمية؛ لأن الإنسان العماني هو أساس التنمية وغايتها.

وبما أن مؤسسات القطاع الخاص هي القطاع الواعد والرحب في السلطنة، والأكثر ارتباطا بالعملية التنموية والاقتصادية، إلا أن المشهد مؤسف من ناحية باتت مقلقة وتثير الدهشة والتساؤلات عن الدور الذي تلعبة العمالة الوافدة التي أصبحت تسيطر على أغلب مؤسسات القطاع الخاص، بما فيها الشركات الفردية وتلك المملوكة أو التابعة لشركات عائلية. فما الذي يحدث فعلا خلف الكواليس؟! ولماذا لم يتم التقيد بالنسبة التي حددها مولانا المفدى قبل بضع سنوات في أن لا تتعدى نسبة العمالة الوافدة 30-33% من عدد السكان. ليس هذه فحسب، فسيطرة العمالة الوافدة الواسعة في هذا القطاع كالأخطبوط أصبحت تلامس حتى الإدارات العليا، وأصبحت لا تسمح لغير بني جلدتهم من الصعود إلى تلك الدرجات، بل وأعطتهم الفرص والتسهيلات والدعم حتى وصلنا إلى الوقت الذي لا نجد فيه أرقاما مرضية لعدد القوى العاملة الوطنية في مؤسسات القطاع الخاص؛ سواء على مستوى الإدارة العليا أو الوسطى أو حتى الإدارة التنفيذية، والباحث عن الشباب العماني وعن الإحصائيات المتعلقة بهم سيجدها في خانة الوظائف الفنية والإسنادية والادارية المتواضعة.

ما ورد أعلاه ليس تلفيقا على القطاع الخاص، فها أنا أذكر مثالا لأحد الكوادر الطموحة الحاصلين مؤخرا على فرصة وظيفية في الإدارة العليا لإحدى الشركات المرموقة، يتفاجأ بأن زملاءه على مستوى الإدارة من العاملة الوافدة يسيطرون على مفاصل المؤسسة دون إعطاء المساحة للعمانيين في تصحيح الأوضاع أو تسيير شؤون المؤسسة؛ مما اضطره لتقديم تقرير مفصل لصاحب المال حول ما يدور في مؤسسته الخاصة، إلا أن الأخير وللأسف صارحه أنه لا يستطيع فعل شيء ولا حتى أن يستغني عنهم، مما حدا بهذا الشاب العماني إلى الانسحاب وتقديم الاستقالة، حتى لا يكون عونًا لإخوانه العمانيين وسببًا في تفاقم يد الأخطبوط الأجنبي الذي يعبث بمؤسسات القطاع الخاص ويؤخر عملية توظيف أبناء الوطن أو يظهرهم بصورة غير حقيقة.

إذن.. قد تتشابه نهايات كثير من القصص مع هذه القصة أو تختلف في تفاصيلها، ولكن الحقيقة التي أطلقها جريشام مع انطلاق العملات وهو أن "العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من التداول"، وهذا هو الواقع الأقرب الذي يمكن أن أصف من خلاله هذه الحالة وغيرها من الحالات التي أصبحت فيها بعض بيئات العمل في القطاع الخاص طاردة للقوى العاملة الوطنية الطموحة والصبورة بسبب "لوبيات" الأخطبوط الذي نتحدث عنه، والذي ينتمي لفصيلة واحدة معلومة ومعروفة، يسرح ويمرح في شركاتنا المحلية والمؤسسات المملوكة للأفراد أو العائلات العمانية بأريحية وعنجهية؛ ببساطة لأنها لا تخضع بأي حال من الأحوال إلى أية ضوابط تلزمها بتطوير أدائها أو تحقيق نسب نمو تراكمية في أعداد القوى العاملة الوطنية على جميع المستويات؛ وبالتالي تسير في هوى من يدير شأنها.  

وعليه، فإنه قبل أن يتم وضع أية آليات تُعنى بتوظيف 25 ألف شاب وفتاة، علينا أن نكون أكثر صراحة مع أنفسنا حول أحوال مؤسسات القطاع الخاص، خصوصا فيما يتعلق بأعداد الوافدين العاملين فيه، والتي تحتاج إلى وقفة من قبل الجهات المعنية والمختصة في هذا الشأن، ومعرفة الاحتياج الفعلي في بعض الوظائف النخبوية فيها، وإفساح المجال وزيادة الشواغر في الوظائف العليا والوسطى والتنفيذية للقوى العاملة العمانية للمنافسة فيها، وإعطائهم من الثقة والدعم ما يمكِّنهم من إنجاح مسيرة إدارة الشركة أو المؤسسة وتحقيق النمو فيها، دون الإضرار بمصلحة الشركة وأصحاب العلاقة، والعماني لا يتأفف من أية مهنة أو وظيفة أو دور يقوم به في خدمة وطنه أو لسد عيشه وتوفير حياة كريمة له ولأبنائه؛ ولكنه يحتاج إلى الثقة والدعم والمساندة والمساحة الكافية حتى يجزل في العطاء.

وهنا، لا أقول علينا أن نستغني عن القوى العاملة الوافدة، ولكن أقول علينا أن نجني الثمار من إيادي أبناء عمان وشبابها، فهم ثروة هذا الوطن ومورده البشري المستدام، وهم من أولتهم النهضة المباركة الرعاية والعناية والتعليم والاهتمام، وهذه هي الفرصة السانحة والمناسبة لكي نعيد ترتيب بعض أوراق القطاع الخاص ليعم الخير على عمان قاطبة، وينعكس ذلك على الأداء الاقتصادي خلال المرحلة الحساسة والحيوية المقبلة.