السبت, 15 ديسمبر 2018

مقال : هو الوطن

الثلاثاء 10 أكتوبر 2017 09:05 م بتوقيت مسقط

د. صالح الفهدي

لا يدعي محبة الوطن إلا المخلصون له، الأمناء عليه، الأسخياء نحوه: أولئك الذين لا يخونون عهده، ولا ينتهكون ميثاقه، أكان ذلك في رخاءٍ أم شقاء، في سلمٍ أم حرب..! أما غير ذلك، فهم الأدعياء المغرضون، الذين لا يحفظون للوطن إلًّا ولا ذمة، أولئك الذين يطعمون بيدٍ من مأكل الوطن، ويطعنونه في خاصرته باليد الأخرى، هم المنافقون الأفاكون الذين لا ينتظر منهم سوى المكر والدسيسة، والغدر والمكيدة..! أما غير ذلك فهذرٌ، ومذر، وهرجٌ ومرج، فالوطنية تعمل ولا تتكلم، تغرس ولا تقتلع، تعمر ولا تهدم.

الوطن ليس ميداناً للأحقاد الشخصية، ولا حلبةً للمصالح الضيقة، ولا مضماراً للتسابق الجشع، وإنما هو فضاءٌ للعطاء، وأرضٌ مبسوطةٌ للوفاء والبناء، وحقلٌ ممدودٌ للحرث والغرسْ، وأما الذين اتخذوه مطيةً لمآربهم الرخيصة، ومصالحهم الدنيئة فهم أبعد الناس عن شعور الوطنية، وعن قيمها السامية التي لا يطالها إلا ذوو القامات العليا الذين سكبوا للوطن دماءهم، ورووه بأنوار أعينهم، وحرسوه بأضلاعهم.

الذين ينتهزون المحنة، ويترصدون النوائب، ليحيكوا دسائسهم، وينسجون خططهم للكيل بالوطن تحت ذريعة الانتصار للوطن، ما عملهم ذاك هو والله إلا بقصد الانتصار لنفسٍ وضيعةٍ، كليلة البصيرة، قاصرة النظر..!! لقد أرتنا الأحداث أن الناعقين في الميادين، الناهقين في الأبواق، دفعوا الأبرياء السذج إلى المهالك، وقفزوا هم من القوارب حين رأوا أفواه الموت فاغرةً، فذهب من أرخى لهم السمع، واتخذوهم أوثاناً لهم مذهب البلاء، وبقوا هم في منافيهم ينعقون، ويكيدون لعل حيلهم المدسوسة تنطلي على آخرين..!

الأوفياء لأوطانهم هم أولئك الذين عشقوا ترابه، وتمسكوا في الإحن بمحبته، فلم يضعف لهم شعورٌ إن لم تتحقق لهم مصلحة، ولم يوهن لهم ساعدٌ إن كابدوا معه الشدائد.. أولئك الذين تسمع أصواتهم تتناقلها الآذان، بكلماتها البسيطة التي تتدفق حباً عذباً للوطن، ولا ترى صورهم، لأنهم لا يقصدون لشهرةٍ، ولا يرمون لزيادة تابعين مهووسين بهم..!!

الأوفياء للوطن هم أولئك الذين يسقونه في المحْل كما سقاهم في الخصْب، ويطعمونه في الجدْب كما أطعمهم في النعيم، ويحرسونه في الظلماء كما حرسهم في الملمات، ويعمرونه بالعطاء كما غمرهم بالسخاءْ.

الأوفياء للوطن هم أولئك الذين يعلونه فوق الشخوص، ويرفعونه فوق المصالح، وينزهونه عن حقارة الغرض، وخساسة الطبع، فلا يعقدون حبه بقصدْ، ولايربطون ولاءه بفرد، وإنما ينظرون إليه نظر المجزي بالإحسان، المبر بالإيمان.. ينظرون إليه كما ينظرون إلى أبٍ حانٍ، وأم رؤوم.

أما الذين لا يعرفون معنى الوطن، فأولئك هم الذين لا يساوي عندهم الوطن أكثر من قطعة أرضٍ، ولا يبلغ أعلى من مبنى حجر، ولا يناهز أطول من أشبار يابسةٍ، ولا يجاري أثرى من رصيدٍ متخم، ولا يباري أوجه من منصبٍ نافذٍ..!! الوطن عند هؤلاء مجرد "حاجة"، و"غرض" أنى تحققت ألقي الوطن عظاماً تقضي الفرائس ما علق فيها..!

أيأتي من يتحدث عن الوطن وهو يغتاله، ويغتابه..؟! أيأتي من أتخمه الوطن بنعمائه ثم كفر به وتنكر لأفضاله ليحز رقبته، ويبقر بطنه، ثم يدعي الوطنية..؟! ألا إن الوطنية تضحية سامية لا يرتقي مراتبها إلا الشرفاء، أولئك الذين رسموا الحدود بدمائهم، وغرسوا الرايات شواهد لقبورهم، أما الحرافيش الذين لا حظ لهم من المروءة، ولا نصيب لهم من الشهامة فهم لقاط فتات الكائدين، وأبواق حناجر الحاقدين، ونصال سم الغادرين..!

الوطن.. أتذكرون سدرةً نعمتم بظلها، ونسمةً رقيقة تخللت برفقٍ إلى عروقكم، ومسارح خيالٍ داعبتم فيها أحصنة خيالاتكم، وعطر خزامى يطيب خواطركم، وصباحٍ نضاح بالإبتسامة يبارك عزائمكم.. ذلك هو الوطن.. الوطن الذي وصفته لسان ابن الرومي:

ولي وطنٌ آليت ألا أبيعه...

وألا أرى غيري له الدهر مالكا

عهدت به شرخ الشباب ونعمةً...

كنعمة قومٍ أصبحوا في ظلالكا

وحبب أوطان الرجال إليهم...

مآرب قضاها الشباب هنالكا

إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم...

عهود الصبا فيها فحنوا لذالكا

فلا تذكروا وطناً لا تدركون معناه، ولا تتفاخروا بوطنٍ لا تعلمون قيمته، ولا تنشدوا لأرضٍ لا تشعرون بالحب إزاءها، ولا تهتفوا لعلمٍ لا يخفق في قلوبكم؛ لأنكم تتبجحون على أنفسكم فتصبحون مجرد مهرجين مكشوفين، وممثلين مأجورين..!

من هانت عليه أرضه، هان عليه عرضه، ومن أرخص وطنه، أذل شأنه، ومن غدر بأهله، قضي عليه بجهله..!

على أن الأوطان لا تسلم من خطأ، ولا تخلص من مفسدة، وهنا يقتضي الإصلاح في مصدر الضر، ومكمن الشر، بنية التقويم، وبلسان التهذيب، على منوال ما قاله الشاعر الراحل محمود درويش: "ليس وطني دائماً على حق، لكني لا أستطيع أن أمارس حقاً حقيقياً إلا في وطني".. فمن كان الوطن سامياً في نظره، عالياً في قدره، لم يمرغه برخص المتاع، ولا بتوافه الحاجات، ولا بالأشخاص ولا بالغايات.

إن المحن تظهر معادن الناس، وتفصح عن مشاعرهم؛ فالرؤوس التي تكشر أنيابها في الرزايا هي حمالة الخطايا، والقلوب التي تحمل الوطن فوق دواهي الإحن، هي الخالصة الزكية التي إن تكلمت عرف الناس مقصدها وإن أغلظت، وإن نقدت قدر البشر غاياتها وإن قست، فهي ذاكرة الفضل والحق للوطن.

هو الوطن الذي ننتمي إليه كما ننتمي إلى أمهاتنا وآبائنا فكيف بنا لا نبر إليه، ولا نحسن سيرته، ولا نكرم عشيرته..؟! هو الوطن الذي نرى فيه الذات، ونحتمي به من الشتات، ونستشعر في ظلال أمنه هدأة الروح، وسلام الخاطر.. هو الوطن يدرك معناه المخلصون، ولا يرقى لمعناه الخائنون..!