الأربعاء, 21 نوفمبر 2018

مقال : انصفوا دينكم

الإثنين 18 سبتمبر 2017 07:01 م بتوقيت مسقط

 

د. صالح الفهدي

 

لم تزل آذاننا تستقبلُ كل غريبٍ وعجيبٍ من (دعاةٍ) وجدوا في وسائل التواصل الاجتماعي، وفي القنوات الفضائية مساحةً يعرضون عليها تجارتهم  ويبوحون فيها بما يدور في أنفسهم..! آخرهم من ادّعى أنّه (أكملَ دينه) منذ عشرين عاماً بالزواج من أربع..!! كما أنّه ينوي التجديد لأنَّ صلاحية المرأةِ – بحسب زعمه- تنتهي بعكس الرّجل..!. وأمامَ (هرجٍ) كهذا لا يملكُ المرءُ المستنيرُ الفكرِ، السليمُ الذهنِ، الصفيُّ القلب، إلاّ أن يترحّمَ على أمّةٍ أغواها دعاةٌ أرخصوا النّفسَ الإنسانية وجعلوها كالسلعةِ لا تساوي شيئاً..! فإمّا دفعوا بها إلى ما يسمونه الجهاد الزائف للقتلِ والانتحارِ وإهلاكِ الأرضَ ومن عليها، وإمّا جعلوها كالسلعةِ التي يسهلُ سَبْيَها، وبيعها، و(تجديدها) ..! فأين نحنُ؟ في أيِّ عصر؟ أيمكنُ لأمّةٍ أن تنهضَ بفكرٍ يرى اكتمالِ الدّين في عددٍ محدّد من الزيجات..؟! أيمكنُ للإسلامِ أن يدافعَ بمثلِ هذا الادعاءِ عن قيمةِ المرأةِ وعظمةِ شأنها، ورقيِّ نفسها ..؟!

إنَّ الأمرَ لو كان مقصوراً على حالةٍ شاذّةٍ لما وجّهنا إليه أقلامنا، وسكبنا فيه أحبارنا، لكنّها حالةٌ نفسيّةٌ يعبِّرُ عنها كثيرٌ ممن يرونَ أنفسهم (ملتزمون) بالدِّين، إذ إنّ (التعدّد) أضحى حديث مجالسهم الذي يشجّعونَ به بعضهم البعض، بل ويرونَ الإقدامَ عليه ملمحَ الرجولة، والإحجامَ عنه عجزُ الفحولة..! وما نكاتهم أو حتى بعض محاضراتهم إلاّ تشجيعاً للرجال على التعدّد وكأنّما المرأةُ الزوجةُ جسداً جامداً لا إحساسَ يخفقُ فيه، ولا شعورَ يتردّدُ في جوانحه..! كأّنما المرأةُ مجرّدَ قطعةَ أثاثٍ يسهلُ إقصائها في زاويةٍ لقِدمها واستبدالها بأُخرى (حديثةُ الصنع)..!! بل إنّهم قاموا بجهودٍ (لغسيلِ دماغِ) الكثير من النساءِ بما اختلقوهُ، وزوّروه من أحاديث ورواياتٍ نسبوها للنبي الأكرمِ عليه أفضل الصلاة والسلام.. أحاديثَ من مثل التي تحرّمُ على المرأةِ أن تخرجَ من بيتها حتى وإن مات أحد والديها.. بل تبقى رهينة الجدران، حتى تساق إلى المقابر..!!

ليس هذا الترويجُ للتعدد بجديدٍ على هؤلاءِ فهو يحسبونه كمالاً للدين، الدين الذي لم يعد كماله يقتصرُ على واحدةٍ بل على أربع حسب مزاعم الذي ادّعى ذلك، بل إن الجديدَ في البوحِ علناً عمّا كان مضمراً في فكرةِ التعدّدِ ذاتها وهو حسب زعمه "أن صلاحية المرأة تنتهي بعكس الرّجل"..!

وأقول له وأمثالهِ .. إن انتهاءِ الصلاحيةِ هو للعقولِ البائرةِ المتخلّفة التي تعيشُ مجاهل الظلامِ، وإن كانت تأوي قصوراً فارهة..!

انتهاء الصلاحية لا يكونُ للمرأةِ التي وسعَ عطفها وحنانها، ورقّة مشاعرها حنق الرّجل، وفظاظته، وغلظته، وقسوته..! المرأةُ هي كالطبيعةِ تهبُ الفضلَ دون تبرّم، وتهمي الإكرامَ دون تضجّر.. !

أمّا انتهاء الصلاحية فهو لكلّ من لا يُقابلُ العطاءِ بالوفاء، ولا يبادلُ الإحسانَ بالامتنان، ولا يُعلي قيمة الفضلِ بحسنِ التقديرِ..!

انتهاءُ الصلاحيةِ لا يكونُ إلا لقلبٍ فارغٍ من الحبِّ، مليءٍ بالتّملقِ، لا يرى في الشريكِ إلاّ جسدًا، ولا يرى في الرَّفيقِ إلا عددا..!

انتهاءُ الصلاحية للنفسِ التي غلبت عليها شهوانيتها، فأصبحت لا ترى إلاّ المرابعَ الخضراء التي ترعى فيها، فإن هي قضّت على زرعها، اتجهت إلى رابيةٍ خضراءَ أُخرى، وهكذا يستمرُّ بها الحالَ، ويطيبُ لها البال..!

لقد أصبحَ نفاقُ الصلاحِ شائعاً، فالظّاهرُ في صورتهِ المجتمعيّة خادع، والباطنُ يعلمُ به كثيرٌ ممن لاحقهن هؤلاءِ خطوةً إًثرَ خطوة، حتى فضحوا أنفسهم، فرفعَ اللهُ عنهم السترَ بعد إمهال..!

أينَ ما تدّعونهُ من عفّةٍ، وغضِّ نظرٍ، واجتنابِ فاحشة..! أيحرمُ على غيركم ويحلُّ عليكم ..؟! إنه إذن لنفاقٌ صريح، وعذرٌ قبيح..!

ووالله إن الواحدَ منّا ليجدُ حيرةً فيمن يدرّس الفقه ثم يُفتي بانتهاءِ صلاحية المرأة..! ومدارُ حيرتهِ فيما يمكنُ أن يسمّي مثل هذا الذي لم ينزل الحق سبحانه وتعالى به من سلطان..! الخالق الأكرم الذي ساوى بين الجنسينِ في القدر والإكرامِ، وجعل لكلٍ أفضليةٍ فيما خُلقَ لهُ، وفُطرَ به، ووجّهَ إليه. أيسمّى ذلكَ اجتهاداً، إذن فقد هزُلَ الاجتهاد..! أم يسمّى ذلك استخفافاً واستهتاراً..؟! لا أخالهُ غير ذلك، بل وتسفيهاً بكرامةِ الدّينِ الذي قرنَ بين اكتمالهِ واكتمالِ العددِ ..! أيدّعي العدل ..؟! فإن قال نعم فقد فهم العدل – وهو أستاذُ الفقه- على أنه النفقة، والمبيت ..!! ولو كان الأمرُ كذلك لما قال الحق سبحانه وتعالى "وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ  فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ" (النساء/130).. أساسُ العدلِ هو محبّةُ القلبِ، ولهذا يعلمُ المولى فطرةَ من خَلق، وميلهِ لمن يحب، وعدمِ إنصافه لمن لا ينالهُ الحب..!! لهذا فرّق الحق سبحانه بين هذا العدل وبين العدل مع الخصوم وكلاهما قائمٌ على الحب ومتأثرٌ به ففي الأوّلِ ينفي القدرة على العدلِ لأنه يتعلّق بالعشرةِ، والعاطفة، بينما يُلزمُ في إحقاقِ العدلِ مع الخصوم بقوله "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ"(المائدة: 8).

الشاهدُ هنا أن كثيراً ممن يريدُ أن يركبَ موجةَ الشهرةِ لا يحتار إذ يجدُ الأمرَ يسيراً، والبابُ فسيحاً فليتخذ من الدّينِ، أو الأخلاقِ، أو الأعرافِ مراكبَ له..! وواللهِ إن الواحدَ منّا لتضيقُ نفسهُ من جهةٍ حينَ يسمعُ مثل هذه الأقوال التي تُنمى إلى جوهرِ الدّين، أمّا من ناحيةٍ أُخرى فيفرّجُ عنه أن هذه الأصوات هي كالذي يلفظهُ البحرُ في تجدّدهِ من غثاءٍ فيكونُ ذلك عزاءٌ للنفس..!

ما تحتاجُ إليه الأمّةُ في هذه الأوقاتُ هو وجودُ أصواتٍ متّزنةٍ، مستنيرةٍ، تدركُ المأزقَ الذي وقعت فيه مجتمعاتها، فتثيبها إلى رشادها بنورِ البيّنةِ، وهدى البصيرة، لا بالإدعاءات التي لا تعبّرُ إلاّ على خبايا نفس، وطوايا معتقد.

فارحموا هذا الدّين، ولا تجعلوه مركباً لشهرتكم ..ارحموا الدين ولا تجعلوا كماله في الحياة (أربع زوجات)، وثوابه في الآخرة (التأنّس بالحورِ العِين)..! فهو أعظمُ رسالةً، وأسمى هدفاً من نظراتكم، وحاجاتكم التي تؤوِّلون النصوص لتوافقها، وتلوون الأحاديث لتسندها، وتختلقون العادات لتصونها..!!

ديننا يسمو بالنفسِ الإنسانية فلا يراها غرضاً تنتهي صلاحيته، ولا ذليلةً تستحقُّ الهوان، ولا ينظر إليها كافرةً تستوجبُ أن يُدعى عليها بالدمارِ والأعاصير والفيضانات، فمبلغ عدله سبحانه أنه "يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً وَلَا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً "، والأمرُ كذلكَ بين مسلمٍ ومسلم، وبين مسلمِ وكافرِ.. فانصفوا دينكم بإعلاءِ مقاصده العليا لا بإعلاءِ شهرتكم، ومقاصد أنفسكم..!