الثلاثاء, 20 نوفمبر 2018

مقال : من يحمي الأحياء السكنية الجديدة؟

الأحد 02 أبريل 2017 07:02 م بتوقيت مسقط

د. عبدالله باحجاج
كتبت مقالات عديدة حول سكن العمالة الوافدة "العزاب" وسط الأحياء السكنيّة القديمة والحديثة، فلا حياة لمن تنادي، فمثلا مقال "الأحياء السكنية.. تصرخ"، "واعورتاه"، و"أداء الصلوات.. في العمارات"، وبينت أضرارها الأمنية والاجتماعية، وبالتأكيد كتب كذلك غيري الكثير، لكن لا حياة لمن تنادي، بحيث أصبحت قضية سكنهم في تلك الأحياء معقدة جدا، ويستصعب حلها بسهولة، بسبب تراكماتها ومجموع مصالح الكثير من المواطنين الناجمة عنها، ونحمل المسؤولية هنا الصمت المؤسساتي التراكمي بشأنها.
لكن عندما تنتقل هذه العمالة إلى الأحياء السكنية الجديدة، فهذا يعني قمّة التراخي والفلتان واللامبالاة في تنظيم السكن، وربما هذه ظاهرة تعاني منها معظم محافظات البلاد، وسنتناولها من المنظور الإقليمي – ظفار - كنموذج معمم، وأول تساؤل يتبادر إلى الذهن بشأن هذه القضية، يدور حول دور الأعضاء الجدد للمجلس البلدي لمحافظة ظفار المنتخب؟ فما مكانة هذه القضيّة في سلم أولوياتهم؟ يبدو أنّهم غارقون في التفكير نفسه الذي غرق فيه نظراؤهم السابقون، وهو عدم الإضرار بمصالح المواطنين من تأجير منازلهم للعمالة الوافدة، غرقوا فيه، ونسوا أو تناسوا حصانة الأحياء السكنية الجديدة، فانتقلت إليها العمالة الوافدة "العزاب" في نسخ مكرر من تجاربها في الأحياء القديمة والحديثة، فأصبحت الكثير من هذه الأحياء غريبة على مكاننا وزماننا، وكأنّ هذه العمالة لم تغادر بلدانها، نقلت إلينا عاداتها وتقاليدها، ونمط معيشتها، كل تفاصيل حياتها الغريبة والعجيبة، التي تمس منظومة قيمنا وأخلاقنا، بل وصل بها الأمر إلى استحداث أسواق خاصة بها داخل الأحياء، ومصلى للصلاة داخل العمارات، ففي إحدى المقالين القديمين، تساءلنا،عندما تصل الأمور إلى اتخاذ الوافدين شقة في عمارة سكنية، مصلى، لتأدية الصلوات الخمس، رغم أنّ المساجد المخصصة للعبادة لا تبعد عنها سوى (50) مترا فقط، ومن حولها في الجهات الاربع، فذلك يعكس لنا قمة التراخي والفلتان في إدارة وتنظيم السكنى داخل الأحياء السكنية.
والأهم العاجل الآن، غزو هذه العمالة الأجنبية إلى الأحياء السكنية الجديدة، وقد رصدتها في الكثير من الأحياء في منطقة السعادة، وتحديدا في حي الشعبيات وأحد الأحياء في السعادة الجنوبية بالقرب من مسجد الأمام أبي حذيفة، والشعبيات هي منطقة أقامتها الدولة كمساكن اجتماعية لذوي الضمان الاجتماعي والدخل المحدود.. وقد وجدنا فيها العمالة الوافدة قد أحكمت سيطرتها عليها، فأين المجلس البلدي لظفار في نسخته الجديدة؟ إذا كان نظراؤهم لم يعملوا على الانتصار للمصلحة العامة، تحت هاجس ردة فعل المتضررين من بني وطنهم، فكيف لم يعملوا على ضمانة عدم نسخ هذه الظاهرة وسط الأحياء الجديدة؟ وكيف تركوا الأحياء السكنية عارية من أية حماية للقيم والسلوك؟
أسبوع متواصل، وأنا أرصد الظاهرة في مثل تلك الأحياء السكنية الجديدة، فوجدنا العجب الذي لن يُسكت عليه، فبعض مساكن العمالة لا تتوفر على مرافق صحية، وتستخدم المساجد كخيار متاح لها، ويمكن رؤية أعدادهم في ساعات الصباح الأولى ما بين السادسة والسابعة صباحا، وهي تذهب إلى المرافق الصحية للمساجد، وفي يديها الفرشاة والمعجون، ليس للصلاة، فالكثير منهم لا يدينون بديننا، وإنما لمرافقها الصحية (مرتدين السراويل القصيرة "الشورتات")، مناظر مقززة ومستفزة ومثيرة، خاصة استخدامهم الفرشاة والمعجون لتنظيف أسنانهم أثناء ذهابهم للمرافق الصحية للمسجد، فهل هذا مظهر حضاري؟ وهل سيكون له تداعيات صحية؟ كما نقلوا معهم إلى الأحياء السكنية الجديدة عشوائية مساكنهم المبنية بمواد غير ثابتة، ويسكن في الغرفتين عشرين شخصا، وهذه مظاهر لا تعبر عن وجود حتى حد أدنى لتنظيم السكن داخل الأحياء، لا قانون، ولا مؤسسة تطبقه، كما وجدنا أثناء رصدنا للظاهرة، تجمهر هذه العمالة وسط الأحياء السكنية في فترة الصباح التي يكون فيها المواطنون في أعمالهم. ويمكنكم أن تفتحوا الآفاق في هذه الجزئية، وسنتركها لخيالكم، وفي منظر استوقفني كثيرا، تجمهر عمالة وافدة يوميا مقابل مداخل سكن الضمان الاجتماعي وأصحاب الدخل المحدود.. في انتهاك صارح لكل خصوصيات أسرها.. وهذه الأسر لا حول لها ولا قوة، تمنع من؟ وتترك من؟ وهل يحق لها ذلك في ظل غياب القانون؟ وإذا كان هناك قانون فمن ينتصر له؟
الإغراق في جدلية الموازنة بين مجموعة مصالح خاصة للمواطنين وبين حجم الضرر الكبير الذي يلحق بالفرد والجماعة والمجتمع، والدولة في نهاية المطاف، من قضية السماح للعمالة الوافدة "العزاب" السكن وسط الأحياء السكنية، يجعل منها ظاهرة تنتشر ترابيا وتتفاقم أكثر فاكثر في الأحياء السكنية الجديدة، وسيصبح وضعها مثل الأحياء القديمة أو تلك الحديثة التي غزتها في صلالة، صعبة الحل، فرغم علم الكل بتداعيات هذه الظاهرة كخلخلة القيم والسلوك، وتحويلها إلى ملاذ آمن للمخالفين، ومرتع لجرائم كثيرة، ولأمراض عديدة خاصة الأحياء القديمة نتيجة افتقارها لوسائل السلامة، فكم من منزل للوافدين قد اُكتشف فيه مصنع للخمور أو مصنع لطعام وحلوى فاسدة و... إلخ؛ إلا أنّ الكل يتفرج على الظاهرة وتداعياتها، فهل نتفرج كذلك على انتقالها إلى وسط الأحياء والمدن الجديدة؟
لابد من الإسراع إولا لحماية الأحياء والمدن السكنية الجديدة، كإجراء عاجل عبر استصدار قانون يمنع أصحاب العقارات إيجار العمالة الوافدة "العزاب" ويعاقب الوافد "العازب" وكفيله بنصوص مشددة، مع إيجاد مناطق سكنية مخصصة لإيواء العمال العزاب، وتفتيشها ومتابعتها بصورة دورية لدواعٍ أمنيّة وصحيّة، وإذا لم تقم المجالس البلدية في المحافظات بهذه الإجراء العاجل، فسوف تجد نفسها غارقة كذلك في جدليّة الموازنة بين مجموع المصالح الخاصة والعامة، وسترى نفسها، واقعة تحت تأثير الخوف من المساس بالمصالح الخاصة لو على حساب المصلحة العامة، وستحكم العمالة الأجنبية وضعها ميدانيا على كل الأحياء والمدن السكنية الجديدة، بحيث يصبح الحل تكتنفه مجموعة من الصعاب الكبيرة، أسوة بالوضع الحالي في الأحياء السكنية القديمة، فهل من مسارعة قبل فوات الأوان؟
وبعد هذا الإجراء العاجل، لابد من العمل على تنظيم السكن داخل الأحياء القديمة، فهو يبدو لنا خارج القانون، بكل أبعاده، وخارج منظومتنا الصحية بشروطها واشتراطاتها.. فكيف يظل هذا الوضع قائما في دولة المؤسسات والقانون؟!.