الإثنين, 12 نوفمبر 2018

مقال : استشراف المستقبل وضروراته (2ـ 2)

السبت 18 مارس 2017 08:24 م بتوقيت مسقط

 

 

عبد الله العليان

من المشاريع الكبيرة والضرورية، للخروج من مأزق الأُمة الراهن، وتراجعها الحضاري والتكنولوجي. تراجع نهضتها الذاتية التي تأخرت كثيرًا، عن بقية الأمم الأخرى، وغياب وحدتها أو تكاملها بين دولها، وتعثر الكثير من قضاياها التنموية الهامة، من الديمقراطية، والتنمية المستقلة، وغيرها من المشاريع الأساسية في واقعها الراهن. وهذا ما ركز عليه كتاب (المشروع النهضوي العربي)، الذي تبناه، مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت، من الأفكار والأطروحات الجيدة في هذا الشأن. ومن القضايا التي ركز عليها هذا الكتاب، الذي تمحور حول (ضرورة النهضة والتجدد الحضاري) أو على الأصح غياب مشروع نهضوي عربي، فما الذي يمنع الوطن العربي من استثمار تلك الفرص وتوقي المخاطر؟ الجوابُ هو غياب مشروعٍ نهضويٍّ عربيِّ معاصر يتطلع إلى إنجاز حلقات التوحيد القومي والتنمية والاستقلال والتقدم. أما أسباب هذا الغياب، فَلَها تاريخ. بدأ العرب مشروعَ نهضتهم الفكرية والسياسية مبكراً نسبيّاً. أدركوا المغزى العميق لحملة بونابروت واحتلال الجزائر: نهايةُ مَدَنِيَّةٍ وبدايةُ أخرى. ولم يتأخروا في الردّ على تحدّي ذلك التحوُّل الجديد الذي أَحْدَثَهُ قيام المدنيَّة الأوروبية الحديثة، فجاء الردّ استجابةً. نعم، قاوموا الغزوة الكولونيالية بإباء، لكنهم تنبَّهوا إلى ما في أوروبا من مصادر قوة: العلم والصناعة والتنظيم العقلاني للإدارة والدولة والقوة العسكرية الحديثة ... إلخ، واجتهدوا في الأخذ بأسبابها وفي تأصيلها.

بدأ محمد علي باشا تجربته في الإصلاحات متأثراً بفرنسا. كان ذلك قبل أن تبدأ الدولة العُثمانية تجربة"التنظيمات "بعقود.ولقد طبعت محاولاته تلك سائر المحاولات الإصلاحية التي أعقبت الأولى في القرن التَّاسع عشر. ومن يستعد اليوم معطيات التجربة الإصلاحية العربية على ذلك العهد ـ مع محمد علي و إبراهيم باشا في مصر، وأحمد الباي في تونس، ومحمد الرابع والحسن الأول في المغرب ـ يلحظ ما بينها من جوامع ومشتركات على صعيد "جدول أعمالها".كان لهذا المشروع النهضوي وجه فكري رافق المشروع السياسي وأسس له شرعيته، وهو كناية عن التراث الفكري الإصلاحي الإسلامي والتراث التنويري الحداثي في القرن التاسع عشر: التراث الذي دارت موضوعاته حول الترقي والتمدن والإصلاح والحرية. إن تجدداً حضارياً يُعيد استلهام كل ما هو نير وعظيم ومفيد في خبرتنا التاريخية الحضارية من جهة، ويُعيد تأصيل كل ما هو متقدم وناجع وباعث على الاستنهاض في المدنية الغربية الحديثة من جهة ثانية، كي يكون منهما نموذجاً حضارياً متوازناً ـ على نحو ما فعلت اليابان والصين مثلا ـ يحتاج، في جملة ما يحتاج إليه، إلى تحقيق أربعة أهداف: إن التراث لا ينطوي على حقائق مُطلقة في الزمان والمكان، كما يدعي خطاب الأصالة. كما إن الغرب ليس مستودع تلك الحقائق المطلقة، كما يدعي خطاب المعاصرة.. إن تقديس التراث هو مرادف تقديس الغرب في المقدمات والروح وإن اختلفت النتائج. وهو التقديس الذي أرهق الوعي العربي في صراع الأصالة والحداثة العقيم، منذ قرنين، والذي بات يُهددنا اليوم بحرب أهلية فكرية وثقافية تستنزف العقل والوجدان!.وثانيهما عدم السقوط في نظرة عدمية إلى التراث وإلى الغرب معاً بدعوى نقدهما. إذا لم يكن التراث والغرب مستودعين للحقائق المطلقة، فليس يعني ذلك إسقاط مرجعيتهما من الأساس، وإنما إعادة وعيهما بعيداً عن فرضية تفوق أي منهما عن الآخر في تقديم مواد لفكرنا ولمجتمعنا اليوم. إن الرؤية النهضوية إلى هذه المسألة تنطلق من التشديد على حاجتنا إلى فهم التراث والغرب فهما علمياً رصيناً دون انتقائية آيدلوجية، والبحث عن أفضل السُّبل إلى بناء علاقة صحيحة وصحية بكل منهما. ما يعانيه الوطن العربي أشكالاً بائسة من الحداثة الرثّة في البُنَى نفْسِها (الثقافية والاجتماعية) نتيجة اصطدامه بالغرب، وما أحدثه ذلك الاصطدام من ظواهر شوهاء في بُناه..إن تجدُّداً حضاريّاً يُعيد استلهام كلَّ ما هو نيِّرٌ وعظيمٌ ومفيد في خبرتنا التاريخية الحضارية من جهة، ويعيد تأصيل كلّ ما هو متقدّم وناجع وباعث على الانتهاض في المدنية الغربية الحديثة من جهة ثانية، كي يكوّن منهما نموذجاً حضاريّاً متوازناً ـ على نحو ما فعلت اليابان والصين مثلاً ـ يحتاج، في جملة ما يحتاج إليه، إلى تحقيق أربعة أهداف. وثانيها عدم السقوط في نظرة عدميةٍ إلى التراث وإلى الغرب معاً بدعوى نقدهما. وإذا كان من الثابت أن نسق القيم النهضوي التي ندعو إليه يجافي قيم التواكل والاعتماد على الغير، في قيمنا الموروثة، يجافي القيم الغريزية الشاذة والقيم الذرائعية والفردانية الأنانية في القيم الحديثة والمُعاصرة، ولعل قوى المشروع النهضوي العربي مدعوة إلى الاغتراف من دوائر حضارية غير الغرب، وقراءة تجربتها التاريخية والمُعاصرة، وخاصة تجربتها في توفير أجوبة خلاقة عن إشكالية الخصوصية، والكونية، والهوية، والحداثة، في مجتمعاتها. لعل بلداناً من الدائرة الآسيوية، مثل اليابان والصين والهند، تقدم مثالاً لتلك الأجوبة الخلاقة. وأهميتها تأتي بالذات من كونها مكتنزة بالتاريخ ومواريثه، وبثقل العمق الحضاري فيها، مثل المجتمع العربي، أما إذا كان لابد من نماذج أقرب إلى مناخنا الحضاري والديني والثقافي، ففي ماليزيا المثال الذي يستحق القراءة والاستفادة.