الأربعاء, 26 سبتمبر 2018

مقال : قطار الفرص

السبت 11 مارس 2017 10:09 م بتوقيت مسقط

 

 

حاتم الطائي

تنتظمُ محوريَّة الحديث عن تمكين الشباب في هذه المرحلة المفصليَّة من عُمر نهضتنا المباركة، وِفْق أُسُس متعدِّدة؛ ولا يعني وُجُوْد أزمة اقتصادية عامة -بما تفرضه من تحديات- أنَّنا نتحدَّث عن "تمكين في الوقت الضائع"، بل على العكس تمامًا فمنهجية "قطار الفرص" هي دائمًا طاقة النور في زمن الأزمات، وعلى الرغم من أنَّ رُكوبَ هذا القطار أو حجز مِقْعَد داخل عرباته قد يحتاج فترة زمنية أطول بالنسبة للحكومات -نظرًا لآليات ودورة اتخاذ القرار- إلا أنَّ الأمر يختلف تماما بالنسبة للشباب؛ الذين يبحثون في كل مِحْنَة عن مِنْحَة، وفي كل لحظة عن فرصة، فلهم في كلِّ عربة من عربات هذا القطار السريع أكثر من مِقْعَد، وما عليهم سوى جرأة اتخاذ القرار، والقفز على "حاجز التقليد"؛ والولوج عبر "بوابة العمل الجاد" إلى حيث مِقْعَد الاستثمار الخاص، في قطار مليء بالفرص والمقاربات.

فمرحلة الشباب هي الطاقة والحركة والاندفاع والحماس، وهي أهم ركائز النجاح؛ لذا لابد أن تكون تلك الفترة مليئة بالعمل والحركة الحثيثة نحو بناء الذات وإثبات قدراتها، وهو أمر من المسلَّمات، دعت إليه الشريعة الإسلامية، وحثَّت عليه الأعراف، وعظَّمت منه عاداتنا وتقاليدنا القديمة، كثروة وطنية كبيرة لبناء غدٍ أفضل، ومستقبل مشرق بروح العنفوان، وسواعد تبني وتنهض بمشاريع تنموية تتخطى المنطق، فقط كل ما تحتاجه الإيمان بفكرة معينة وعزم وعمل على تحقيقها؛ وخوض المعترك بروح المخاطرة وثقافة المجازفة "المحسوبة"، صحيح أنَّ سجلَّ مُا يقارب النصف قرن من عُمر نهضتنا يحفل بأسماء شبابية حَفَرت أسماءها على جدران التنمية، إلا أنَّ المزيد لا يزال يُنتظر مِنْ جيلٍ يُفترض أن يكون مقوِّمًا رئيسيًّا من مُقوِّمات الاستدامة؛ إذ ليس كافياً أن نتمنَّى أو نَرْسِم أو نكتب لأنفسنا أهدافاً، إنما العِبْرة بالنتائج والسعي والعمل على تحقيقها بثقة عالية وذاتٍ فاعلة مُدركة لقيمتها وطاقتها وأهدافها، خصوصا وأنَّ بيئة العمل في السلطنة متشبِّعة بالتوجيهات السديدة النيِّرة والجهود الحكومية الواسعة التي تمدُّ أيادي الدعم لهذا الجيل الواعد.

فما تَوْجِيه مَوْلانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- بتخصيص العام 1983م عامًا للشبيبة، ومن بعده إنشاء الهيئة العامة لأنشطة الشباب في 1991م، واعتبار 1993م عامًا للشباب، والتوجيه بإنشاء اللجنة الوطنية للشباب، وتخصيص 26 أكتوبر يوماً للشباب، والندوات الوطنية التي كانت تتواكب والجولات السامية لحضرة صاحب الجلالة، والجهود الحكومية المتواصلة لتوفير كافة سُبل الدعم للمشروعات الصناعية الصغيرة والمتوسطة والكبيرة بشكل مباشر أو غير مباشر -وتحديدا مُنذ قرارات "ندوة سيح الشامخات" التي حظيت بمباركة سامية من لدن القائد المفدَّى- وتوفير دراسات الجدوى لها، والإسهام فيها، وإتاحة الفرصة لمشاركة الشباب في الخطط الخمسية، والبرامج التأهيلية والتدريبية التي تستهدف بناء الكوادر الوطنية الشابة ذات الكفاءة، سِوَى علامات بارزة ودلالة بالغة على ما يحظى به الشباب العُماني من مُؤازرة ومساندة وتكريس كل الاهتمام لصناعة مواطن شاب قادر على تولي المسؤولية في المستقبل.. وهي أبرز فرصة أمام جيل اليوم، أنْ تتهيَّأ لهم بيئة صحية تدعم وتحفز تجاربهم؛ وتستثمر طاقاتهم وتكتشفها وتشجِّعهم على الإبداع والابتكار والبناء.

وإنْ كانت جهود حكومتنا الرشيدة تَدْعَم وتطوِّر باستمرار قضبان "قطار الفرص" أمام جيل الشباب، فإنَّ المهمة الملقاة على عاتق المجتمع أكبر؛ إذ تستدعي تهيئة البيئة التحفيزية للأجيال الجديدة. صحيح أنَّنا نعيش اليوم فجوة بمستويات مختلفة بين الجيل الأول (صُنَّاع النهضة) والجيل الثالث (شباب اليوم)؛ وذلك لاختلاف المرجعيات الفكرية والقيمية وتباين التجربة المعاشة خلال الأربعين عاماً الماضية، إلا أنَّ المتطلبات الآنية تفرض علينا مُعالجة ما سبَّبته هذه الفجوة من سوء فهم، وأنْ نسعى جميعًا لردم هذه الفجوة بالتفاهم الجماعي، والشد على أيادي شبابنا، وتغذية بذور الثقة التي تنمو بين أضلاعهم، فهم حَمَلة مشاعل النهضة الجُدد، الذين سيتسلَّمون منَّا راية النهضة مُستقبلا.

ويبقى القول في الأخير، إنَّ الوضعَ الاقتصاديَّ الحالي يَفْرِض علينا ضَرُوْرة التعامل مع جُملة واسعة من التحِّديات؛ أبرزها توفير فرص عمل جديدة تستوعب الأعداد المتنامية لشبابنا من الباحثين عن عمل؛ وهو ما لن يتأتى بدون استثمار الفرص التي تتوالد تباعًا مع رحم أيِّ أزمة، خصوصا مع توقُّف "التوظيف الحكومي"، واتجاه أبنائنا لـ"التوظيف الذاتي" بتأسيس شركاتهم الصغيرة والمتوسطة التي بدأتْ تُزَاحِم على مُختلف المجالات والتخصُّصات؛ مما يستدعي ضرورة أنْ تتفتَّق ذهنياتنا عن حلول خارج الصنودق تحدُّ من المعوِّقات الإدارية والمالية التي تُقلل حجم المُنْجَز في هذا الخصوص؛ حتى يشقَّ قطار التنمية طريقه نحو وجهاته المتعدِّدة في طريق بلا حواجز ولا إشارات حمراء.