الثلاثاء, 13 نوفمبر 2018

خبر : إعادة الاعتبار للعلم العربي

الأحد 29 نوفمبر 2015 11:47 م بتوقيت مسقط

نادية اللمكيَّة

لطالما تساءلنا: أين اختفت تلك المساحة الكبيرة بين أرشميدس ونيوتن، وبين أفلاطون وديكارت؟ لقد انشغلَ الدكتور رُشدي راشد -ضمن ما انشغل به- بالبحث عن تحليلٍ فلسفي إجابة عن هذا السؤال، عائدًا إلى عُمْقِ التاريخ القديم يبحثُ عن الأدلة بين النصوص اليونانية والوثائق الإسلامية وبين المرجعيات الغربية لاحقًا، ناقدًا الفلسفة القائمة على المركزية الغربية، وفاتحًا باب الجدلية حول سؤال النهضة والنهوض. وهو في مقاله الموسوم بـ"حول تاريخ العلوم العربية" يعرضُ نظريته القائمة على مراجعة وتصحيح بداية تأريخ العلوم، والمغالطات المرتبطة بأصولية ذلك التاريخ، ومآلات تلك المغالطات.

ويشير رشدي راشد إلى أن القرن الثامن عشر هو بداية لتأريخ العلوم، نافيًا الاعتقاد السائد بكون البحث في أصل العلوم بدأ قبل ذلك، إذ لم تكن إشارات العلماء والمفكرين إلى مَنْ سبقهم في الكتب إلا لغرض "التذكير والتسجيل" وليس تتبُّعًا لأصل العلم في ذاته بعصرٍ من العصور. وقد برَّر رشدي اعتقاده هذا بالتراكم العلمي وظهور حقول علمية جديدة من ناحية، وظهور الأكاديميات (مراكز البحث) في القرن الثامن عشر من ناحية أخرى، إذ كان لهذه الأخيرة دورٌ في تكريم العلماء بذكر سيرهم وإنجازاتهم، وهو ما يراه رشدي بداية فعلية لتأريخ سيرة العلم.

والأمرُ الثالث الذي أسْهَم في ظُهور هذا التأريخ هو فلسلفة التنوير؛ إذ كانت حركة التنوير مُعتمدة على تاريخ العلوم؛ لكونه يدعم هذه الفلسفة من جانبين؛ فهو أداة لتعريف الحداثة، فقضية "القديم والحديث" هي المسألة التي أثارها الفلاسفة والعلماء في ذلك الوقت. مشيرين إلى أنَّ الحداثة تستند إلى العلم القائم على البرهان والتجربة. والجانب الثالث دعمه لجوهر أفكار التنويريين، وهو فكر يقوم على مفهوم التقدم المستمر للحقائق أو التراكم المستمر لها والاستبعاد والتخلص المستمر أيضا من الأخطاء المكتسبة التي أفسدت الطبيعة الإنسانية وحَجَبتْ عنها "النور الطبيعي" الذي جُبلت عليه.

ما علاقة ظهور المدارس الأوروبية بالمركزية الغربية؟

قبل الحديث عن دور العلم العربي المغيَّب في سلسلة التاريخ، يشرحُ لنا راشد تقسيم العلوم على ضوء عالميته وإتاحته للإنسانية، وعلى ضَوْء تعاقب التاريخ؛ ففي الوقت الذي بدأ العلماء فيه دراسة تطور العقل الإنساني وتطور العلوم والإنجازات والحقبات التاريخية المرتبطة بذلك، لم يجدوا مفرًّا من ذكر العلم العربي؛ إذ كان يُمثل الحلقة المفقودة بين فلاسفة اليونان وبين علماء عصر الأنوار، كما رآها بعض العلماء استمرارًا لمسيرة التنوير في عصر الظلمات والجهل الذي كانت تعيش فيه أوروبا.

لكن: لماذا لم يكن للعلم العربي الصورة التي يجدُر أن يكون عليها؟ هنا يحكي راشد تفاصيل ما أسماه بـ"الشَرَك" الذي يُحاك لتاريخ العلم العربي؛ وذلك مع ظهور المدرسة الرومانسية الألمانية التي كانت تصنف دراسة التاريخ بحسب اللغات؛ أي بحسب الأصول والأعراق، وتبعًا لهذه النظرية في التصنيف لم يكن للعقل السامي نصيبٌ في العلم والفلسفة؛ فقد كانت عقليتهم -بحسب هذه المدرسة- دينية شعرية؛ ولهذا لم يكن للعلم العربي الحق في الوجود! وعلى هذا كان المؤرخ الغربي لا يرى في العلم العربي إلا مكتبة للترجمات اليونانية أو "حقلا يونانيًّا محدثًا" كأفضل تقدير.

وبالرغم من كَوْن هذه النظرية كانت هي السائدة في عصرها، إلا أنَّ دعواتٍ خجولة ظهرت مع بعض المؤرخين دعتْ إلى الدراسة المتأنية للعلم العربي، وكشفت جوانب الجديد فيه.

كيف ظهر العلم العربي؟ وما العوامل التي شجَّعت مسيرته؟

في إطار الحديث عمَّا يتعلَّق بالهُوية والدين، لا يُمكن أن يتخلَّص الكاتب من مذهبيته ويتسم بالموضوعية بسهولة، غير أن راشد -الذي قضى معظم حياته في فرنسا مدينة الأنوار- لم يكن في مقاله مدافعًا عن حضارته المغيّبة بغياب حقيقة وأصل علومها، ولم يرد الانتصار لكونه عربيًّا، بل كان في إثباته معتمدًا على أعلامٍ وإشاراتٍ ونصوصٍ واضحة، وموجِّهًا المؤرخين إلى إنصاف العلم العربي بالعودة إلى عدة عوامل؛ منها: جغرافية المكان التي جعلت العالم العربي بؤرة تواصل وتبادل مع الحضارات حول حوض البحر المتوسط وعلى أطرافه، وهذا يعني بالضرورة تجدُّد وتفرُّع مصادر ثقافته. ثم دَعْم الحكم الإسلامي وتشجيعه للعلماء والمفكرين للاستفادة من العلوم وتطويرها والتأليف فيها، وأما العامل الثالث فهو ظهور المدارس الفكرية المتنوعة، والتي يعتقد الكاتب أنها ظاهرة لم تكن لها سابقة. كل هذه العوامل مجتمعة منحت العلم العربي صفة العالمية؛ فقد أصبح من الممكن -كما يقول راشد- قراءة الإنتاج العلمي لحضارات مختلفة بلغة واحدة!

ما هي مميزاته؟

يَرَى العالم برنشفيك أنَّ معرفة الفكر البشري تقتضي تجاوز الروح النسقية التي طغت على أنظمة التفكير والاهتمام بنشاط العقل من خلال التأمل في نتاجاته المتتالية عبر الزمن، وهذا الذي كان مُنتزعًا من العلم العربي من وجهة نظر الكاتب؛ إذ وبرغم المميزات التي أظهرت أنَّ العلم العربي ليس ناقلا فحسب؛ بقيَ المؤرخون يربطونه بالنظرة العقدية النابعة من التصنيف العرقي، وقد كان أكثر ما يُميِّز العلم العربي ظهور جنس أدبي جديد هو المراسلات العلمية، وظهور طريقة تعليم وتعلُّم جديدة هي السفر والتنقل.

ما الأسباب التي أخفته بعد ذلك؟

لقد أشار راشد إلى أنَّ "غربية العلم الكلاسيكي" هي الفكرة التي آمن بها المؤرخون وهي ما أقصى العلم العربي آنذاك، كما أشار بعض الباحثين إلى فكرة أخرى سادت الغرب وقتها وهي "أنَّ المعرفة الحقيقية أُعطيت مرة واحدة في التاريخ مع أرسطو، وبطليموس وأبوقراط، وجالينوس...وغيرهم؛ لذا سيكتفون بإيراد الشروح والتفاسير والحواشي على كتب هؤلاء، كما لو أنَّ كتاباتهم تضمَّنت العلمَ كله، وترسخت أسسها بصفة نهائية".

كيف للعلوم أن تتطوَّر بمعرفة حقيقة تاريخ العلم؟

إنَّ الاهتمامَ بمعرفة حقيقة تأريخ العلوم لن تكون مُلحَّة على المستوى المعرفي فقط، بل على المستوى المجتمعي والسياسي، وهو الذي -وإن لم يذكره الكاتب صراحة- سيسهم في منح الحضارة الإسلامية وإرثها العلمي الصورة المشرقة التي سُلبت بفعل الرؤى الأيديولوجية أو الفلسفية، ويُعيد النظر في فصول تاريخ العلم التي يرى راشد أنها لم تحكم بعضها النزاهة. يقول كيسدورف: "لكي يصبح تاريخ العلوم ممكنا وضروريا، كان لا بد أن تتخلَّص المعرفة من معانيها المتعالية، وتُصبح نسبية إلى حدٍّ تتحوَّل معه إلى موضوع لفعالية عامة قابلة للتنقيح باستمرار".