الإثنين, 24 سبتمبر 2018

خبر : فكر الإمام محمد عبده في علم السنن

الأحد 29 نوفمبر 2015 11:27 م بتوقيت مسقط

محمد السالمي

دائمًا ما يُقرن الحديث عن الإصلاح الديني والاجتماعي بأسماء من أمثال الطهطاوي والإمام محمد عبده والأفغاني وغيرهم، فلقد انتحى الإمام محمد عبده مع جمال الدين الأفغاني في كتابة مقالات العروة الوثقى منحى يؤكد وجهتهما في الإصلاح ووقوفهما على كثير من سنن الله تعالى، حيث إنّ هذه المقالات أضاءت عقول قارئيها، حيث إنّها تؤثر في نفسية وشخصية القارئ ويخرجه من طور إلى طور.

فقد أكد رشيد رضا أنّ منهج العروة الوثقى اتِّسم بأشياء لم يخض حولها أحد المفسرين السابقين ولخص ذلك في ثلاثة أمور هي:

1 -بيان سنن الله تعالى في الخلق ونظام الاجتماع البشري وأسباب ترقي الأمم وتدنيها وقوتها وضعفها.

2 -بيان أن الإسلام دين سيادة وسُلطان وجمع بين سعادة الدنيا وسعادة الآخرة ومقتضى ذلك أنّه دين روحاني واجتماعي ومدني.

3 -بيان أنّ المسلمين ليس لهم جنسية إلاّ دينهم فهم إخوة لا يجوز أن يفرقهم نسب ولا لغة ولا حكومة.

فهناك فرق بين فهم عبده وأستاذه الحكيم للقرآن وبين أفهام المتقدمين الذين كانت حظوظهم من تفسير الآية كتابة سطرين أو بضعة أسطر أكثرها في غير سبيل هدايتها. يأتي الكاتب رمضان الغريب في مقالته بعنوان" فقه السنن الربانية في فكر محمد عبده"، ليؤكد على دور الإمام في الاهتمام بعلم السنن، ولقد عرّف الإمام السّنن ضمن اهتمامه بالحديث عنها فقال: "السنن جمع سنة وهي الطريقة المُعبدة والسيرة المتبعة أو المثال المتبع"، وقد جاء ذكر السنن في مواضع من الكتاب العزيز كقوله في سياق أحكام القتال وما كان في وقعة بدر:)قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين(.

نرى الإمام محمد عبده يؤكد على هذه النظرة الداعية إلى دراسة علم السنن وتدوينه وتأصيل علم الاجتماع على قواعد إسلامية قرآنية متينة حيث إنّه ينظر إلى أنّ علم السنن أعظم الوسائل لكمال العلم بالله تعالى وصفاته ومن أقرب الطرق إليه وأقوى الآيات الدالة عليه وهو أعظم العلوم التي يرتقي بها البشر في الحياة الاجتماعية المدنية فيكونون بها أعزاء أقوياء سعداء وإن الاستفادة منه تكمن في النظر فيه إلى الوجه الرباني والوجه الإنساني جميعاً. كما يرى عبده أن علم السنن لم يأخذ حقه من تفكير المسلمين في القديم والحديث إلا النزر اليسير الذي لا يتناسب مع قيمة هذا العلم حيث إنّه يرى أنّ هناك أسباباً جعلت إدراك المسلمين لعلم السنن إدراكاً ضعيفاً وتوظيفهم له أشد ضعفاً ومن هذه الأسباب:

1 -الفهم المغلوط لمضامين الدين ومعايير الحياة؛ فعدم الفهم لمفردات الإسلام جعلت إدراك المسلمين لعلم السنن إدراكاً غائماً يفسر الظواهر بغير أسبابها ويُعللها بغير عللها.

2 التقليد: والسبب الثاني من أسباب عدم انتفاع المسلمين هو التقليد، حيث يرى محمد عبده أن التقليد أضلهم عن تدبر القرآن والاتكال على الميتين حال بينهم وبين سنن الله في هذا الإنسان، فالتقليد أصبح غشاوة على الأعين حال بينهم وبين هداية الله تعالى وسننه في الأنفس والآفاق.

-3 عدم تدوين علم السنن: على الرغم من أن القرآن الكريم حافل بقواعد هذه السنن أو علم الاجتماع كما يسمى إلا أن المسلمين لم يلتفتوا إليه بصورة مناسبة لقيمته وحاجتهم الماسة له ومن أسباب ذلك عدم التدوين لهذا العلم "حيث إنه جاء في القرآن الكريم الكثير من قواعد هذا العلم فغفل أكثر المفسرين عنه ولم يهتد إلى فقه بعضه إلا القليل منهم إذ لم يكن هذا العلم مدوناً في عهدهم فينبههم إلى ذلك فعدم تدوين علم السنن كان سببًا من أسباب انصراف المسلمين عنه أو عدم التفاتهم إليه على الأقل.

من ثم يأتي رمضان الغريب ليبين خصائص السنة الربانية في نظر محمد عبده، ومن أبرز هذه الخصائص ما يلي:

1 -خصيصة الإطراد وعدم التوقف: فالسنة الربانية في نظر محمد عبده مطردة لا تتوقف لغاية ماضية، ولا تنتهي عند حدٍ، فالحديث عن عقاب المكذبين وأنه يجري على أشباههم ما يجري عليهم يؤكد على هذه الخصيصة من خصائص السنن الربانية وأن من يحفظ التاريخ من وقائع الأمم من دأبها وعاداتها في الكفر والتكذيب والظلم في الأرض ومن عقاب الله إياهما هو جار على سنته تعالى المطردة في الأمم ولا يظلم الله تعالى أحدا، وإنما عقابه لذم أثر طبيعي لكفرهم وفسادهم وظلمهم لأنفسهم هذا هو المطرد في كل الأمم في جميع الأزمنة.

وقد وصف المولى عز وجل أهل الاعتبار بأنهم أهل الأبصار فقال: "(فاعتبروا يا أولي الأبصار).

2-عدم التبدل أو التحول: ومن خصائص السنن كذلك أنها لا تتبدل ولا تتحول وقد دلت آيات القرآن الكريم على هذه الخصيصة وذلك في قوله تعالى :)سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا).

ومعنى أنها لا تتبدل أي لا تتغير ولا تترك مسارها، وأنها لا تصرف عن هدفها وتظل على غايتها.

3- عدم المحاباة أو المجاملة: إن سنن الله تعالى لا تحابي ولا تجامل ولو جاملت الأنبياء ولكنها تمضي عليهم كما تمضي على غيرهم بل تمضي على أسوتهم وقدوتهم محمد صلى الله عليه وسلم كما مضت على كل البشر، وذلك في قوله تعالى :(قل ما كنت بدعاً من الرسل وما أدري ما يُفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إليّ وما أنا إلا نذير مبين(.

تحت عنوان موارد السنن الربانية في فكر الإمام محمد عبده، يأتي الكاتب مرة أخرى ليبين المواطن التي يكثر فيها ظهور السنن والتي نعبر عنها بموارد السنن الربانية في القرآن الكريم، ومنها:

1- القصص القرآني الذي ما تختم قصة من قصصه إلا بإعطاء سنة من سنن الله تعالى في خلقه وقانون من قوانينه عز وجل في عباده ومن الأمثله على ذلك قوله تعالى في سورة يوسف: )إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين(

2-المثل القرآني: ومن المواطن التي يكثر فيها وجود السنن في القرآن الكريم المثل، حيث حرص القرآن الكريم على تصوير معانيه وعرض قضاياه بأقرب صورة وأوضح سبيل، وكثر في القرآن ضرب الأمثال وربطها بالقصة والاعتبار فقد ورد المثل في القرآن الكريم ما يزيد على مائة مرة وهذا بلفظ المثل ومشتقاته عدا الصور الأخرى التي ورد عليها المثل في القرآن الكريم.

3 -الآيات التي ورد فيها الأمر بالسير في الأرض: قيمة هذا السير في الوقوف على أحوال الماضين ومصارع الغابرين وغالباً تأتي السنن بعد هذا الأمر. وعندما نقلب فكر عبده لنرى موقفه من هذه الموارد الثابتة للسنن الربانية نجد أنه ضمن عنايته الفائقة بالسنن وأهميتها وقف عند عدد من النقاط والموارد كالأمر بالسير في الأرض والاعتبار بمن كانوا، وعلم التاريخ وأحوال البشر، والقصص القرآنية كونها رصدا لسنن وقوانين قد تتكرر مع اللاحقين كما وقعت مع السابقين، والنظر في الكائنات وأحوالها والتعمق في دراستها كونها طريقاً لمعرفة الخالق.