الخميس, 15 نوفمبر 2018

خبر : الفكر العربي بين التجديد والتقليد

الإثنين 05 أكتوبر 2015 12:11 ص بتوقيت مسقط

 

سعيد الشعيلي

يتناول رضوان السيد في مقاله "مشاهد التغيير ومناهجه في الفكر العربي" أربع مُواجهات ثقافية: ثلاث منها جرتْ في مصر على مدى القرن العشرين.. المواجهة الأولى كانت بين مُحمَّد عبده وفرح أنطون، وتناولت مسألة التقدم، وما هي السبل الفضلى لتحقيقه؛ فرح أنطون المسيحي كان يرى أنَّ السبيل الفُضلى لتحقيق التقدُّم هو فصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية من أجل تحقيق العدل والمساوة والتقدم، فبحسب فرح أنطون أنه لا يمكن للدولة ذات الدين إلا أن تنحاز للدين الذي تُؤمن به، بعكس الدولة ذات السلطة المدنية. بينما يردُّ مُحمَّد عبده على ادعاء أنطون بأنَّ هذا الأمر غير مُمكن في كل الأديان -وفي الإسلام على وجه الخصوص- ويرى مُحمَّد عبده أنَّ فصل الدين عن الدولة كان ضروريا في الديانة المسيحية بسبب عداء الكنيسة للعلم، وما حسم النقاش لصالح أي واحد منها؛ لأن حسم النقاش -مثلما يرى رضوان السيد- غير مُمكن في نقاش من هذا النوع. ولا تزال إشكالية فصل الدين عن الدولة إشكالية قائمة حتى يومنا هذا.

المواجهة الثانية كانت بين رشدي صالح -الذي أصدر رواية تأويلية عن ابن خلدون عنوانها "رجل في القاهرة"- ومُحمَّد البهي -الذي أصْدَر كتابا بعنوان "الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي"- وقد خصَّص فيه فصلاً بعنوان "الماركسية في التجديد في الفكر الإسلامي"؛ للردِّ على رشدي صالح. رشدي صالح حاول فهم ابن خلدون فهما ماركسيا محاولا استلهام شخصيته من أجل الدعوة إلى قيم وتحليلات معاصرة. أما البهي -الذي أزعجه استخدام شخصية ابن خلدون من أجل الدعاية للشيوعية- فيرى أنَّ حدودَ التجديد هي حدود جمال الدين الأفغاني ومُحمَّد عبده. يُقرِّر رشدي صالح -على لسان ابن خلدون- حتمية التطوُّر، وحتمية الصراع الطبقي وحتمية انتصار المسحوقين، بينما يرى البهي حتمية انتصار الإسلام على الشيوعية وعلى الصليبية.

أمَّا المشهد الثالث، فهو كتاب سيد قطب "معالم في الطريق" الذي كتبه من داخل السجن، ونظر فيه للحاكمية الإلهية، في مواجهة حاكمية الجاهلية والطاغوت في مقابل مُثقفي الإخوان المسلمين الذين انصبَّ اهتمام مثقفيهم على نقد مادية الغرب وتآمره على الإسلام، مُعتبرين "النظام الإسلامي" مُواجها للفكر الشيوعي والرأسمالي. سيد قطب يرى أنه لا يمكن أن تكون مُسلما دون الدولة أو النظام الذي يحكم بما أنزل الله، أما شيوخ الإخوان الذين أصدروا كتابا بعنوان "دعاة لا قضاة"، فيرون أنَّ المسلم يستطيع ممارسة دينه دون الحاجة للدولة كما في الصلاة والزكاة، لكن له أن يقاوم هذه الدولة إذا حالت بينه وبين أداء فرائضه. ويبدو أن نظرة شيوخ الإخوان كانت أكثر اعتدالا من نظرة سيد قطب، الذي لا تزال أفكاره هذه تؤثر في البعض إلى يومنا هذا.

المشهد الرابع الذي اتخذ من "إسلامية المعرفة" عنوانا له؛ فمنذ القرن السابع عشر اجتيحت الأمة الإسلامية بغزو ثقافي وعسكري، استطاع أن يُغير تفكير شباب الأمة مُتخذا مسلكين اثنين؛ الأول: التبديل الثقافي في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، والثاني: قطع صلة الأمة بتراثها الإسلامي وتحويله إلى مجرد تراث تاريخي يفتخر ويتغنى به. ومن أجل مراجعة ما حصل، عقد المعهد العالمي للفكر الإسلامي مؤتمرا بعنوان "إسلامية المعرفة" عام 1982م؛ من أجل بناء مشروع ثقافي يعمل على إعادة تكوين فكر الأمة وثقافتها على هدي إسلامي مستمد من الموروث الإسلامي الأصيل. هذا المشهد أثار حفيظة الليبراليين الجُدد الذين خرجوا من الحتمية الماركسية إلى الحتمية الليبرالية، والذين يرون أنَّ الحضارة الغربية صارت حضارة عالمية، وأنَّ البحثَ عن الخصوصية في التاريخ الإسلامي بإحيائه هو ضرب من الوهم والخيال، يسدُّ على المسلمين الدخول إلى منافذ الحداثة والعالمية.

وفي نهاية المقال، يرى رضوان السيد أنَّه استنادا إلى وعي الأفغاني وعبده...وغيرهما، فإنَّ إشكالية تخلُّف المسلمين تكمُن في تخلفهم في سائر المجالات، والحلُّ هو التقدُّم بالمفهوم الأوربي آنذاك، لكنَّ المفكريين الإسلاميين في العصر الحديث يرون أنَّ التخلي ليس سببه عجز المسلمين وحسب، بل الأمر يمتدُّ ليشمل مسألة "تحقيق الذات". إنَّ ما يحدُث في الأمة الإسلامية اليوم هو مخاض هائل في مجال الثقافة وفي العالم، لا أحد يملك ملامح محددة أو نهائية له.

وأستطيع القول بأنَّ رضوان السيد استطاع مناقشة إشكاليات التغيير في الوطن العربي من خلال الأمثلة التي طرحها، ومن خلال المواجهات الأربع التي تمَّ الحديث عنها في المقال.

إنَّ أزمة الهُوية الإسلامية وإشكالية الدولة المدنية لا تزال حاضرة في نقاشات المثقفين حتى اليوم، ولا يزال الإسلاميون مُتمسكين بحل الدولة الإسلامية، بينما يتمسك العلمانيون بحل الدولة العلمانية وتقديم مفهوم الدولة المدنية التي تسطيع أن تحضن جميع الأطراف على أرضها، ويكون الحكم فيها مدنيا. إنَّ الناظرَ لواقع الدول العربية والإسلامية يُؤسفه ما يحدث على أرضها اليوم من تفجيرات إرهابية، تبيِّن أنَّه لا يزال أمام المسلمين طريق طويل لفهم الدين الإسلامي ومبدأ التعايش الذي يقبل بوجود الجميع على أرض واحدة. ومن ناحية التقدم المدني والعمراني، فإنَّ الدول العربية والإسلامية لا تزال تعاني من التخلف وعدم مواكبة التقدم العالمي، ولا تزال دول مستهلكة، وهذا يُبيِّن أنَّ إشكالية فهم التقدم المدني بالمفهوم الغربي لم تحل بعد؛ ففي أزمة النفط -التي بدأتْ تظهر بوادرها في الوقت الحالي- تظهر الدول العربية المنتجة للنفط كدول هشَّة بسبب تخلفها العلمي والثقافي واعتمادها على التاريخ الذي لا تزال تتغنى به حتى اليوم. إنَّ الحلَّ في رأيي يكمُن في عدم الركون إلى النصوص التاريخية، بل تقديم نظرة إسلامية جديدة قادرة على فهم روح العصر ومعرفة متطلبات الحياة المدنية.