عبير السعيدية
نجد أنفسنا على الدوام محمولون في دوامة العادات المرسومة مسبقاً، غير آبهين بالسباحة عكس التيار أو الخروج عن النمط المألوف؛ فالموجة التي تحارب الريح تموت غالباً؛ لكنها حتماً قد وجدت طريقاً غير الطريق الذي كانت تسير به. وحين نختلف فالأمر ليس سلبياً، على العكس تماماً؛ اختلاف الرأي يعود لمستوى الوعي والاتجاه الفكري لكلٍ منّا حاملاً إيانا نحو بحثٍ ونتائج جديدة. الشيء الذي ترفضه تماماً قد أكون أنا أوافقه تماماًوعن قناعةٍ متناهية.
وليس الأمر سوى اختلاف في الطريقة التي ننظر بها للأشياء فنحن جميعاً لا نرى من بؤرة واحدة، وإنما ستشبه الأشياء هنا كرةً مدورة نقف حولها جميعاً في اتجاهاتٍ مختلفة، ومما يعني أن النظرة التي أخذها كل منّا للكرة لن تشبه الآخر. أضف إلى ذلك أننا لو اتخذنا طريقةً واحدة، فكراً وحيداً؛ فإننا سنبقى في خطٍ موازٍ لا يرقى لأعلى من سقف رؤوسنا. يمكنني أن ألجأ هنا لتشبيه الدكتور علي الوردي للأمر حيث قال بأن المجتمع المتماسك يشبه الإنسان الذي يربط إحدى قدميه إلى الأخرى فلا يقدر على السير.
وأشير هنا للتقليد الذي بناه شخصٌ ما وسار على نهجه كل الناس وكأنه شيءٌ مقدس غير قابلٍ للميل عنه. في الجهة المقابلة إن المجتمع الذي يبقى ثائراً ومختلفاً فيما بينه يبقى في طور التجدد والتطور الدائم؛ أي أنّ الخلاف هنا عمل عمل القدمين الحرتين اللتين يسير بهما هذا المجتمع.
ويضعنا اختلاف وجهات النظر في مرحلة المنافسة في البحث عن الحقيقة والثغرة المفقودة وبالتالي السير خطوة أخرى نحو المقدمة متجاوزين حدود التقليد الخالقة للبرود والرضا الذي يعود بنا خطواتٍ عدة إلى الوراء. إننا بحاجة ماسة للثورة، هذه التي تستمر في خلق أشياء جديدة "وتجنبنا العوم في الفراغ". الأمر يذكرني أيضاً بالنظرة التي طرحها جوستاين غاردر في روايته عالم صوفي حين قال بأننا جميعاً نتمدد في كهفٍ مظلم نشهد الظلال التي يعكسها الخارج في جدران الكهف ظناً منّا بأنها حقيقية لكن الذي لا يقنعه ما يراه سيستمر بالبحث حوله حتى يكتشف الحقيقة؛ فتحة الكهف والواقع والألوان والأشياء بدهشتها وتألقها؛ من هنا نجد المعنى الحقيقي للتفرد والاختلاف الذي يقودنا نحو المقدمة.
وعلى سبيل المثال، فإنّثورة الشعر الحديث الذي سار بنا نحو منحى آخر، متجاوزاً عتبة الشعر القديم ومتخذاً شكلاً جديداً أدى لمعارضة البعض ممن يرونه مخالفاً لتقليد القصيدة المكونة من وزنٍ وقافية ليتنازل هو عن وجود القافية محتفظاً بموسيقى التفعيلة فقط. وقد كانت بدايته مرفوضاً وغير معترفٍ به بحكم عدم فهم من وضعوا أسس القصيدة القديمة وتكوينها. لكن نازك الملائكة تداركت الأمر ووضعت شرحاً لماهية بناء القصيدة الحرة. وبعد أن زال الإبهام وحل محله الوضوح كان لهذا الشعر أن يتم الاعتراف به وأن يأخذ استقلاليته ومسماه بالمعاصر مفصولاً عن الشعر التقليدي الذي احتفظ بمكانته القديمة أيضاً.
وفي مثال آخر، فإنّالفن الحديث الذي ظهر في آواخر السبعينيات نتيجة رفض محكمي "صالون باريس" لبعض المتسابقين الذين لم يلتزموا بشروطهم التي تُعنى بالوضوح والسطحية البعيدة عن الغموض والعمق، مما استدعاهم للشكوى لنابليون الثالث فقام الأخير بفتح صالون خاص لهم أسماه "صالون المرفوضين" ومن هنا بدأت تظهر أشكال جديدة من الفنون خارجة عن قيود المحكمين واشتهر فيها عدة فنانون كانوا سبباً في توسعة نطاق الفن. مثال على هؤلاء الفنانين بيكاسو الذي اشتهر بالفن التكعيبي الذي يبدو معمارياً في شكله، وفان جوخ الذي اشتهر في الفن ما بعد الانطباعية. الاثنان حملا الفن نحو منحى أكثر تطوراً وعمقاً وتعد لوحاتهما اليوم ثروةً عظيمة.
هذه المحاولة الدائمة للبحث والخروج عن قيد العادة والتوافق مع الآخرين تفتح لنا سبلاً أكبر للانفتاح والاستنارة وإن كان الأخير سبباً للقلق والحيرة. ونستطيع القول بأنّ القلق هو السبب الأول للبحث وطرح الأسئلة الدائمة والنظرة الخائفة من طول الطريق الذي يجبرنا نحو السعي. ويقول كافكا "اثنان داخلي يتنازعان وأنا أتألف من نزاعهما" وهنا يشير إلى أنّ النزاع قد يتعدى تقاليد المجتمع ليصل لداخل الإنسان نفسه ويولّد داخله تلك الرغبة التي تدفعه دوماً للبحث والتقصي لخلق عوالم جديدة.
