قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق

صالح الخالدي

"قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق".. عبارة يردِّدها الكثيرون في عالمينا العربي والإسلامي، بل لا يكاد أحد من متوسطي الثقافة، وربما من هو دون ذلك وهو يعرفها، هذه العبارة التي تعدُّ دُرَّة من دُرر بلاغة إمام البلاغة الإمام علي بن أبي طالب -عليه السلام- فهي في الوقت الذي تمثل عنوانًا كبيرًا للرحمة والإنسانية، إنما تمثل منهجًا لمدرسة إدارية عظيمة فاقت وتفوقت على الكثير من النظريات الغربية في الإدارة التقليدية والحديثة؛ فأهداف هذه العبارة ومراميها واضحة تتلخص في إفهام المسلمين كافة -بل البشرية جمعاء- بأنْ لا يقف أحد عقبة أمام رزق أي إنسان؛ فقد يؤدي ذلك إلى إنهاء حياته؛ لأن قطع الرزق يدفع في بعض الأحيان إلى الانحراف عن جادة الصواب والطريق القويم فيلجأ مرغمًا إلى السرقة وربما القتل واغتصاب الأموال العامة والخاصة؛ فيؤدي ذلك إلى قطع عنقه وإنهاء حياته؛ عقوبة لما اقترفه بعدما قطع عنه رزقه.

وقد يلجأ الإداري إلى التعسُّف في استعمال صلاحيته لإيقاع الغرامات وقطع الرواتب عن الموظفين عند استلامه المسؤولية، وقد ينهي خدمات بعضهم تحت تأثير هواه ورغباته من غير حكمة ولا تروٍّ في اتخاذ قرار. إن ما تناقلته وسائل الإعلام في الفترة الأخيرة من اقتراح لوزارة الماليه بأن تقوم بإلغاء علاوة بدل المعيشة من رواتب الموظفين الحكوميين، ومواضيع أخرى تتعلق بوقف الترقيات ووقف الدعم، ومواضيع تقليل الدرجات المالية. وفي ظني، أنه ربما يطول الحديث إذا تطرقنا إلى مواضيع البدائل والخيارات الأخرى، ولكني أكاد أجزم بوجود بدائل حيوية، لو أُخذت بعين الاعتبار لما اضطررنا للقيام بهذه الخطوة. ولو خطط لها التخطيط الصحيح لما وصلنا لهذه المرحلة الحرجة.

ومع كل ذلك، فإنَّ هذه الحكمة قد تقال في غير موضعها، وتعتمد لتحقيق ما لم تهدف إليه أصلا وتصبح هذه الدرة كأنها بيد فحّام وتصبح على السنة بعض الناس كلمة حق أريد بها باطل؛ وذلك عند استعمالها في غير ما أريد لها أن تستعمل.

... إنَّ حكمة "قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق"، الكثير من المسؤولين أصبحوا يرددونها لتغطية أفعال المسيئين في الأعمال الإدارية والمالية، إن الشرائع جميعها حرّمت التصرف بالمال العام بطريقة تؤدي إلى تبديده وهدره على غير وجه حق، وديننا الإسلامي العظيم على رأس هذه الشرائع؛ فالتعامل مع المال العام بهذه الطريقة يقود إلى ضعف في مؤسسات الدولة وتخبط في اتخاذ القرارات المحورية والمهمة، والتي تمس حياة المواطن.

إن لجوء بعض الإداريين والمسؤولين إلى هذه الحكمة البليغة لتعليل الصفح عن أعمال المجرمين والمفسدين لا يعدو عن كونه كلمة حق أريد بها باطل ولم يكن الإمام علي -عليه السلام- ليقصد هذا المعنى السيئ في تفسير هذه العبارة الكريمة، وإنما المقصود بها قطع أرزاق الناس الطيبين الأخيار الذي يسعون جاهدين لخدمة أمتهم على الصورة التي تجعلهم في مقدمة الأمم.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z