قراءة نفسية في كنه المحبة القابوسية(1)


نادية المكتومية

استوقفتني طبيعة العلاقة بين هذا القائد العظيم وشعبه والذي سطر اسمه بحروف من نور في ذاكرتهم، تكمن عظمته في سر العلاقة التي أعجز إلى الآن عن أن أسبر أغوارها العميقة الضاربة في العمق، وأحاول فك رموزها وقراءتها قراءة نفسية لفك شفرتها، فما السر الذي صنع كل هذا الحب بل العشق بين قابوس وشعبه؟ كيف استطاع أن يملك شغاف قلوبهم ليفدوه بأرواحهم طوعًا شيباً وشبانا صغارا وكبار، ذكورا وإناثاً؟
وجدت نفسي أعود لبداية الحكاية قبل ٤٥ سنة، أقرأ أحداث قصة عجيبة التكوين، لم تنسج صدفة إنّما نسجها فكر حكيم يرى النهايات قبل البدايات، يسير بخطى واثقة نحوها لا يهتز له طرف مع تقلبات الأحوال والأوضاع من حوله، فمن كان هدفه واضحاً في ذهنه يتنحى عنه العالم ليخطو خطو الواثق الجسور، هكذا كانت مسيرة بناء هذه العلاقة التي أثبتت بعد ٤٥ عامًا أن جلالته واثق الخطوة يمشي ملكًا، لم يأسر قلوبهم طوال ٤٥ عامًا بسيفه أو سلطته وهو القوي القادر إنّما عُرِف بثقافته وذكائه الفطري وحنكته الموروثة والمكتسبة بأن الاحترام والشعور بالاعتبار للآخر هو سر البداية، فكانت هذه البداية النفسية الحكيمة في بناء علاقة جديدة مع شعب له جذور ضاربة في عمق التاريخ مر بتقلبات سياسية واجتماعية واقتصادية متذبذبة غلب عليها طابع عدم الاستقرار، بداية حكيمة لشاب تولى الحكم صغيرًا لكنه في الذكاء وفهم طبائع البشر كبيرًا، عرف أن الاحترام والشعور بالاعتبار والكرامة هي مفتاح القلوب الأول الذي يفتح به قلوب شعب عانى قبل مقدمه ما عانى من ظروف على شتى الأصعدة فجاء نداؤه الأول سنبني عُمان وسنتعلم ولو تحت ظل شجرة، أحسبها الصيحة الأولى التي نادى بها جبريل رضي الله عنه حبيبي المصطفى في أول لقاء بغار حراء، ليرجع الصدى نعم لبيك يا قابوس هكذا سننقل هذا الوطن وشعبه للشعور بالكرامة والاعتبار لتحترمنا الإنسانية جمعاء، لم يكن هذا النداء وحده الذي وجه فيه حبيب الشعب رسائل الاحترام والاعتبار والكرامة لهم بل جسَّد هذه الرسالة في كل سلوك يسلكه طوال فترة الحكم المجيد، فكان لا ينفك يترجم الحاجة للكرامة والاحترام والشعور بالاعتبار لدى أبناء شعبه في كل تحركاته ليقول لهم: كرامتكم وعزتكم واعتباركم هو مرادي وهمي الأول، إنّ شعور الفرد بأنّه مكرم ومحترم وله اعتباره الاحتياج الأول الذي لو تمت راعيته لملكت به قلب الآخر ومتى ما ملكت القلب جاءك العقل طائعًا، وكأنِّي أقرأ فصلاً من حياة المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه عندما أتى لمكة فردًا يحمل رسالة التغيير رسالة السلام فكان المفتاح الأول الذي جابه به كل القوى من حوله ليس السيف ولا السلاح إنما أعطى المستضعفين من أهل مكة الشعور بالاحترام والكرامة والاعتبار فحرَّك تلك الحاجة وهي الأسمى والأهم لدى كل إنسان فملك قلوبهم طوعًا وعقولهم ليفدوه بأرواحهم صلوات ربي وسلامه عليه وهم في أضعف حالاتهم الجسدية لكنهم الأقوى نفسياً وفكرياً فكأني أرى بلالاً يُعذَّب وسمية وآل ياسر والنبي صلوات ربي وسلامه عليه يعزيهم صبرًا آل ياسر إن موعدكم الجنة، قريش القوية تعذب الجسد ولكن القلب ملك لله ولمحمد، بل أكثر من ذلك هم في قمة العذاب ويساومهم الأقوى بأن يرجعوا عن حب محمد بل أن يقولوا في حقه كلمة فلم يزدهم العذاب إلا قوة وحبًا لمن أسر شغاف قلوبهم، ما السر المحمدي الذي جعلهم يعشقونه كل هذا العشق؟ أحسبه نفس السر القابوسي الذي عشق به الشعب العماني قابوس الإنسان، سر الكرامة والاحترام والاعتبار للإنسان وبكل صدق صنع هذا السر علاقة عشق فملك القلوب والعقول معًا فقدمت الأرواح طوعًا بل حبًا وكرامة له..
هذه بداية قصة العشق القابوسية وللحديث بقية..

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z