حمد الناصري
تظل قصة الملك الذي ورد ذكره في مُحكم التنزيل في سورة الكهف، وهو الذي "كان يأخذ كل سفينة غصباً"، واحدة من أكثر الإشارات القرآنية عُمقاً وإثارة لقرائح الباحثين والمؤرخين عبر العصور؛ إذ تنقُلنا هذه الآية الكريمة إلى فضاء بحري قديم يموج بالحركة وتتنازع فيه القوى والسيادات.
وحين نُعمّق النظر في ثنايا الذاكرة الشفهية والحكايات الغابرة، نجد أنّ تلك الشخصية البحرية العظيمة، التي وصفها الرواة ببأسها الشديد وسطوتها المطلقة شرقاً وغرباً، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بجغرافية البحار المفتوحة والعميقة الممتدة على طول السواحل العُمانية؛ فبحر عُمان الشرقي العميق هو مصب البحار الستة، وهو محيط مفتوح تسيّدت عليه الأساطيل العمانية القديمة في غابر الحقب السحيقة.
وقد يقودنا السرد التاريخي والروائي المتأمل إلى قراءة تلكم القوة البحرية العمانية بعيدا عن الفهم التقليدي القائم على محض الاستبداد، ليرى فيها مظهرا من مظاهر الانفة، والمنعة الاستراتيجية، وفرض السيادة البحرية المطلقة التي ميزت الملوك الاوائل في حماية مياههم وثغور أقاليمهم من أي اختراق أجنبي غريب.
ومن هذا المنطلق التحقيقي الدقيق، يتهافت ما يسطره بعض الكُتَّاب الذين يفتقرون للحقائق والحيادية المادية حين يحاولون إسقاط هذه القوة الجبارة على حضارات برية وزراعية خاملة لم تمتلك يوماً أساطيل ملكية سيادية في أعالي البحار؛ فهذه الإسقاطات ظلم للقوة البحرية العمانية التي تسيدت البحار العميقة منذ نشأة تكوينها واستراتيجيتها التي لا تضاهيها استراتيجية بحرية، بثقلها وإشرافها البحري على ثلاث جوانب رئيسية؛ ينطلق أولها من بحر العرب جنوباً ممتداً من سواحل سدح الحية، ويلتقي ثانيها بواجهة بحر عُمان الشرقي العميق المفتوح على مصب البحار الستة من سدح إلى صور العفية، وينحرف ثالثها صوب بحر عُمان الشمالي بموقعه الجغرافي الحيوي الممتد من صور وصولاً إلى أقصى شمال مسندم عند جزر سلامة وبناتها ورأس المضيق الإستراتيجي، في فرادة جيو-سياسية منحت عُمان شريطاً ساحلياً متكاملاً وبسطت هيبتها المطلقة على مدخل الخليج العربي والمحيط البحري العُماني قاطبة من غابر الحقب.
والحقيقة الاكثر دقة ورسوخا والتي يقترب منها الأثر بل هي الدليل القطعي الذي يبرهن على أنه لم يكن هناك أسطول بحري حقيقي حاز على صك الطاعة التامة في مياه المحيط العميق وبحر عمان الشرقي في العالم القديم إلا في عُمان، أو كما دونت "عُمانا في نقوشات الاغريق"؛ فمنذ فجر التاريخ والألفية الثالثة قبل الميلاد، كانت السفن العمانية الشامخة (سفن مجان العتيقة) تجوب اللجج وتمخر العباب بقوة فريدة عجزت عنها سائر الأمم والممالك القريبة والبعيدة عن مجاراتها أو تطويع بأسها البنائي وقوة حركتها في البحار.
وإذا ما تتبعنا الشواهد العلمية والأدلة التاريخية المتينة التي تُعزز هذا الطرح، يتضح لنا ببيان قاطع لا يدع مجالًا للشك أنّ الجغرافيا الماثلة في أطروحتنا القرائية والفكرية، التي شهدت حركة هؤلاء المساكين الذين يعملون في البحر، هي جغرافيا المحيط العميق، جنوب وشرق بحر عُمان الحديث، أي البحر الشرقي المفتوح الواقع في واجهة بحر عُمان الشرقي المفتوح أو كما يُعرف مصبّ البحار الستة؛ حيث كانت الأساطيل العُمانية القديمة هي القوة الوحيدة المانعة والمانحة والمُسيطرة على طرق التجارة البحرية والطريق البحري القديم. وتلكم دلالات تاريخية تُوثق أو تُشير إلى أنّ الملك المذكور تسَيّد مياه الإقليم وبسط سُلطته على أطراف الممالك، مِمّا يُؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنّ ذلك الحاكم العظيم الذي صادر السُفن الصالحة غصبًا ليُعزز بها أسطوله الحربي ويحمي بيضة أرضه، هو ملك عُماني بحت؛ إذ لا نجد في تاريخ الملاحة القديمة قواسم مُشتركة لمتانة الموقف والسيادة البحرية الحازمة تُطابق الوصف الفصيح مثلما نجدها في تاريخ وملوك عُمان الغابرين، الذين جعلوا من بحارهم حِصْنًا منيعًا لا يُعبر الا بإذنهم.
ويعضد هذا اليقين الملاحي ما سطرته روزنامات الربابنة الأسياد وأراجيز ابن ماجد القديمة، التي نعتت هذا الامتداد المائي بـ"البحر الأخضر" أو "بحر عُمانا" (Omana Sea) التاريخي في مصنفات الجغرافيين الأوائل كبطليموس والرحالة البابليين، دلالة على رسوخ السيادة المُطلقة لأهل هذه السواحل الحية دون سواهم.
وكل الدلائل القديمة أو حتى القريبة تُؤكد أنّ عُمان ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالبحر وكل حضاراتها بحرية، حتى آخر عهد النباهنة واليعاربة والبُوسعيد في العصر الحديث، الذي امتد إلى أقصى القرن الإفريقي بحرًا ولم تزل آثاره قوية ومُمتدة ومؤثرة في البلاد الأفريقية.
خُلاصة القول.. إنّ تدبر الآيات البيّنات ومُقارنتها بالحقائق الجغرافية والتاريخية يكشف لنا عن السّبْق الحضاري لعُمان كقوة بحرية سادت البحار العميقة وتسيّدت بفكرها الإستراتيجي القوة العسكرية في أعالي البحار. وإنّ إثبات عُمانية الملك صاحب السفينة ليس مجرد استنتاج عابر، بل هو حقيقة تنبثق من متانة الموروث وعراقة الذاكرة المُمتدة، ليبقى هذا التاريخ شاهداً حياً على أنّ هذه الأرض الطيبة كانت -وما زالت- سَيّدة البحار بلا مُنازع، وأنّ أمجادها ضاربة في جذر الزمان وفي سُطور الكتاب الذي لا يضلّ فيه ربي ولا ينسى.
