النجاح من منظور المعاناة

 

 

 

سمية البريكية

 

 

 

يقول نيتشه " إلى كل أولئك الذين يهمني أمرهم, أتمنى لكم المعاناة والفشل وسوء المعاملة" هذا التباين اللفظي إجمالا في مقولة نيتشه يخبئ حقل تجارب غير يسير إذا ما تعمقنا في مسيرة حياة نيتشه الإنسان، إنه يريد بطريقة ما أن يخبرنا أن الطريق الحقيقي للنجاح مقرون بضرورة تذوق طعم الفشل والمعاناة الحقيقية، وأن النجاح الطبيعي الذي يحققه الإنسان دون إدراك لحقيقة المعاناة والتعب ما هو إلا نتيجة عوامل ومسوغات ساعدته لتحقيق غايته دون الشعور بمطلق قيمته .

 

إنّ ارتباط الفشل بالعيب والتقصير واحد من ضمن مفاهيم أدلجة الفكر التي ابتكرها أشخاص معينون اختار الآخرون أن يسيروا عليها دون اللجوء إلى منطق سليم لفهم الأسباب والتداعيات التي أدت إلى نشوء تصور حقيقي مجتمعي بارتباط مسمى النجاح للأشخاص الذين لم يجربوا طعم الفشل كونهم يملكون قدرات أكبر من غيرهم في حين أن الفهم الصحيح لحقيقة النجاح هو النظر لمسيرة الإنسان وكفاحه الذاتي لتحقيق ما يصبو إليه وهو جامع كل عثراته ليطرحها بقيمة شعوره لتحقيق غايته الأخيرة مهما كانت ضئيلة .

 

إنّ فكرة النضال من أجل فكرة أو حلم مهما بدت قيمته للآخرين لهو أشد أهمية من الوصول إلى الغاية النهائية. فأنت حين تملك الدافعية الكاملة رغم أنف كل الصعوبات التي تواجهك تثبت لنفسك أولا وأخيرا إنك جدير بهذا النجاح، فتقدير مفهوم النجاح أبلغ من النجاح نفسه .

 

إننا نجحف بحق أنفسنا تحت أطر النظرة المجتمعية التي تفرض علينا عدم تقدير اليسير من إنجازاتنا لاعتقادنا أنها ليست ذات جدوى لمجرد أنها جاءت من منظور مجتمعي، متناسين بذلك القيمة الحقيقية التي تخلفها في ذواتنا من تراكم لخبرات ومعارف كنا قد غفلنا عنها لو واجهتنا بطرق أخرى .

 

إن جوهر النجاح نفسه يتمخض في شمولية الإحساس بقيمة المعناة التي تصاحبك في طريقك، فأنت المخول الوحيد لإدراك قيمة النجاح دون الاعتماد على نظرة المجتمع في ماهية إنجازك,

 

في الحقيقة إن نيتشه في قوله هذا أراد لنا أن ندرك أنّ الوعي الحقيقي يتشكل من لذة الإحساس بما بعد التعب،  إنه هو نفسه عايش تجارب أثبتت له أنّ التعلم الحقيقي ما هو إلا ثمرة جهد معنوي وتعب مضن، وما زادته النظرة المجتمعية له إلا أحكاماً ما تغني عن واقع ما أنجزه شيئا، فلقد قرر مجتمعه له صفات التخلف العقلي والمرض العصبي في حين أثبت التاريخ من بعد أنه واحد من أفضل الفلاسفة في العالم رغم أنه واجه مجتمعه بالانعزال حيث كان يقول دائما " إنني اعي جوهر مرضي ووحدي أعرف علاجه وعلاجي الوحيد هو أن استمر على هذه الوتيرة".

 

إن الاعتقاد بمدى فاعلية النجاح من منظور المعاناة يساعد في تشكل الوعي الحقيقي لدى الإنسان فلا يعود بوسعه الالتفات إلى الأمور التي تثبطه والتي ترافقه كشعارات في أغلب الأحيان كما إنه يساهم في توسيع أفقه لما هو أعمق من ذلك فتحقيق مبدأ النجاح مهم وغاية تضمن لذة الانتصار؛ ولكن جدوى الشعور بالنجاح بعد مران المعاناة تذكي في ذاته نشوة النجاح الحقيقية.

 

 

 

[email protected]

 

 

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z