الرُّؤية - أحمد الجهوري - مُحمَّد قنات
عبَّر عددٌ من المحامين عن استيائهم من الخلاف الواقع بين المحكمة الابتدائية وممثل الادعاء العام، عقب نقل المحكمة إلى مقرِّها الجديد، الذي يختلفُ فيه نظام جُلوس مُمثل الادعاء العام؛ حيث كان يجلس -في المبني السابق- إلى جوار القاضي، بينما يجلس الادعاء العام في المقرِّ الجديد على يمين القاضي، أو مُواجهاً له؛ شأنه في ذلك شأن محامي الدفاع، وهو ما يعتقد عددٌ من المحامين أنَّه دفع مُمثل الادعاء العام إلى التغيب عن الجلسات. وأشار المحامون إلى أنَّ الموقع الجديد للادعاء العام بالمحكمة هو المكان الطبيعي وفق النظام المعمول به في معظم دول العالم، ونبَّهوا إلى الأثر السلبي لغياب الادعاء العام عن جلسات المحكمة بما يضر بمصالح المتقاضين.
وقال المحامي الدكتور محمد بن إبراهيم الزدجالي رئيس مجلس إدارة جمعية المحامين: إنَّ مجلس الجمعية يُتابع للأسبوع الثاني على التوالي بقلق شديد غياب عضو الادعاء العام عن حضور جلسات المحاكمة في مبنى مجمع المحاكم الجديد بمسقط، كما أنَّ جمعية المحامين تؤيد توجُّه القضاء إلى فصل عضو الادعاء العام عن منصة القاضي ليكون أطراف الخصومة على حدٍّ سواء أمام المحكمة، وإذا كانت الظروف اقتضت في المرحلة السابقة ولأسباب تتعلق بمباني المحاكم المستأجرة وتفصيل القاعات بها، أن يجلس عضو الادعاء العام بجانب القاضي فإنَّ ذلك لا يعني بالقطع استمرارَ الوضع على ما كان عليه، علما بأنَّ عضو الادعاء العام كان فيما مضى وقبل صدور قانون السلطة القضائية -أي في فترة ما كان يعرف بالمحكمة الجزائية- كان يجلس بموازاة خصمه أمام منصة القضاء وليس بجانب القاضي، إضافة إلى ذلك فإنَّ هذا النظام طُبِّق مؤخرا في جميع المحاكم الحديثة المصمَّمة على فصل عضو الادعاء العام عن منصة القضاء، ولم يكن هنالك أي اعتراض كما هو حاصل الآن في محكمة مسقط.
وأضاف: من خلال رصد رُدود الفعل، تبيَّن أنَّ عددا كبيرا من المحامين ومختلف المعنيين بالعملية القانونية أيَّدوا توجه القضاء لفصل منصة القاضي عن الخصوم (بمن فيهم عضو الادعاء العام)، وأكَّدوا أنَّه نظامٌ معمول به في أغلب دول العالم تطبيقا لمبدأ تساوي الخصوم أمام القضاء.
وعبَّر الزدجالي عن تمنيه أن يكون اعتذار عضو الادعاء العام عن حضور الجلسات ناتجًا عن مسألة إدارية تتعلق بدنو المكان المخصص لعضو الادعاء العام والذي أتمنى أن يرفع قليلا، وليستْ مسألة سيادية كما يعتقد البعض. وأضاف بأنَّ طريقة التعبير عن الرفض التي اتُّبعت في التعامل مع خلاف وقع بين جهتين تابعتين لذات السلطة تلفت الانتباه، خصوصا وأنها مسألة دخيلة على المجتمع العماني؛ حيث إنَّنا تعودنا على حلِّ خلافاتنا من خلال الحوار وليس من خلال نبرة التحدي، وإنْ كنتُ أتمنَّى أن يكون ما حدث هو تصرف فردي وليس عملا منظما.
وأشار الزدجالي إلى أنَّ التأخر عن انعقاد الجلسات يترتَّب عليه ضرر بالغ على المتهمين؛ حيث إنَّ المحبوس على ذمة قضية ينتظر انعقادها ليتقدم بطلب الإفراج عنه أو صدور حكم ببراءته، كما يُعاني المحامي من طول أمد القضية، فضلا عن تكدس القضايا لدى المحاكم وكذلك الادعاء العام.
وحَوْل مبنى مجمع المحاكم الجديد بمسقط، قال الزدجالي إنَّ المجمع الجديد صرحٌ شامخ يتناسب وشموخ العمل القضائي، كما أنه يعد ثمرة من ثمرات النهضة المباركة التي تشهدها البلاد بقيادة عاهل البلاد المعظم -حفظه الله وأبقاه- لكنْ ومن خلال الواقع يتبيَّن أنَّ هناك سلبيات عدَّة صاحبتْ افتتاح المبنى الجديد أبرزها بُعد مرافق المجمع عن بعضها البعض؛ فعلى سبيل المثال تبعُد محكمة الاستئناف عن المحكمة الابتدائية بمسافة يستحيل معها للمحامي حُضور الجلسات التي تتزامن في نفس الوقت في المحكمتين، وهناك ملاحظة تتعلق بالمشاكل الفنية التي تعانيها المحكمة؛ حيث إنَّ مكبِّرات الصوت غير مجهَّزة ولا تعمل؛ مما يجعل التخاطب مع الهيئة القضائية مُعقدًا؛ فبعض المحامين والمتقاضين يضطرون للتقدم إلى المنصة للحديث إلى الهيئة القضائية وبعض القضاة يرفضون ذلك، علاوة على عدم جاهزية الشاشة الإلكترونية المعدَّة لعرض جدول الجلسات؛ الأمر الذي يُعرقل ويصعِّب على المحامين والمتقاضين معرفة سير جداول الجلسات، إلى جانب مشكلة صدى الصوت الذي يحدث أثناء تداول القضايا في قاعات المحكمة، فضلا عن مشكلة بطء الإجراءات الإدارية التي كما يبدو هي إرث انتقل من المبنى السابق إلى المبنى الجديد.
وقال المحامي حسن محسن اللواتي: إنَّ المسجونين في صدارة المتضررين من هذه الخطوة؛ بسبب تأجيل قضاياهم مما يُطيل مدة بقائهم بالسجن، خصوصا وأنَّ قضاياهم جزائية والدعوة فيها دعوة عمومية يُحركها الادعاء العام. وأضاف بأن رجل الادعاء العام الذي يرفض الجلوس في المكان المخصص له في المحكمة يعطل إجراءات التقاضي، على الرغم من أن اعتراضه ليس في محله على نظام معمول به في مختلف دول العالم، كما أنه لا يزال على يمين القاضي لكن لا يجلس على منصته.
وقال المحامي ناصر خميس العامري عضو مجلس إدارة جمعية المحامين العمانيين: إنَّ موقف الادعاء العام خاطئ؛ لأنه اتخذ خطوة لا تستند إلى عُرف قانوني بينما موقف المحكمة سليم؛ حيث لا يجوز أن يجلس الادعاء العام إلى جوار القاضي؛ لأنه ومحامي المتهم خصمان أمام القاضي. وأضاف المحامي نصر بن سيف السيابي بأنَّ تعليق الادعاء العام حضوره جلسات المحكمة سبَّب ارتباكا في سير مواعيد التقاضي؛ حيث إنَّ تأجيل الجلسات إلى موعد آخر يُربك جدول عمل المحامين، ويسبِّب الضرر للمتهمين الذين ينتظر بعضهم سماع الحكم في قضاياهم خصوصا من يقضون أيامهم في الحجز.
