عائشة بنت أحمد البلوشية
عندما قدم وفد من أهل عُمان إلى المدينة المنورة قام أبو بكر الصديق مخاطبا ذلك الوفد قائلا: "معاشر أهل عُمان، إنكم أسلمتم طوعاً، لم يطأ رسول الله ساحتكم بخف ولا حافر، ولا عصيتموه كما عصيه غيركم من العرب، ولم ترموا بفرقة ولا تشتت شمل، فجمع الله على الخير شملكم..."، وذلك إشادة باستجابة أهل عُمان إلى رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم، حينما وفد عمرو بن العاص على عبد وجيفر ابنيْ الجلندى في صحار بكتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم يدعوهم فيه إلى الإسلام، فاستجابا للداعي على الفور، لذلك لم يُجشِّم العُمانيون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم ما جَشَّمه غيرهم من العرب.
هذا هو ديدن أهل عُمان عبر التأريخ، يجمعون ولا يفرقون، وهذه هي رسالتهم لجميع الأقطار والشعوب، رسالة السلام أينما حلوا وارتحلوا، غير آبهين بالباطل من طنين الذباب أو نهيق الحمير أو زعيق الغربان.
في نوفمبر الجاري، الغالي على قلوب جميع العُمانيين حل الطائر الميمون ضيفا على أرض بروناي دار السلام، حاملا في متنه سلطان الحكمة والسلام جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حفظه الله ورعاه، الذي كان قد غادر لتوه أرض الصين التأريخية، باسطا أجنحة السلام كعادة سلاطين عُمان، ضاربا أروع أمثلة وشائج التعاون على علاقات تعود بجذورها إلى ألف ونيف عام من التبادل التجاري والثقافي بين سلطنة السلام والمجد وجمهورية الصين المزدهرة بصناعاتها وتجارتها وموروثها الثقافي، حيث تعود جذور التواصل بين الحضارتين العُمانية والصينية إلى طريق الحرير البحري القديم والقرن الثامن الميلادي، وكان وصول التاجر والبحار العُماني أبي عبيدة عبد الله بن القاسم الصحاري، من صحار إلى ميناء كانتون في الصين في عام 750م هو أول ما تم تأريخيه رسميا لبدء هذه العلاقات الثنائية، ولم يغادر جلالته أرضا إلا وقد أبرم حزمة من الاتفاقيات تعد الأضخم في تاريخ العلاقات بين البلدين.
وصل جلالة السلطان هيثم بن طارق المفدى إلى بندر سري بكاوان عاصمة بروناي دار السلام، وهالة السلطنة والسلام والعظمة تحيط بالطائرة السلطانية التي حطت على بساط الترحاب والمودة للسلطان حسن البلقية معز الدين والدولة وحكومته وشعبه، بروناي دار السلام تلك الدولة الصغيرة مساحة والغنية انتاجا، تقع على الساحل الشمالي لجزيرة بورنيو في جنوب شرق آسيا، استقبلت سلطان الحكمة والسلام المفدى والوفد المرافق له استقبالا مهيبا، وكانت سلطنة عُمان من الدول السباقة في تبادل العلاقات الدبلوماسية مع بروناي؛ حيث بدأ التمثيل الدبلوماسي والعلاقات الرسمية بين البلدين في 24 مارس 1984م، وذلك بعد نحو ثلاثة أشهر فقط من استقلال بروناي، وكانت مراسم الحفاوة بسلطان عُمان تحيطها الجلال والإكرام، تخللها إبرام الاتفاقيات المثمرة على شعبي السلطنتين إن شاء الله.
هذه هي عُمان، بلاد السلام، تُجَمّع ولا تُفَرِّق، تُألِّف ولا تُألِّب، إذا وَطِأتَ ثراها تَنَعّمتَ وأُكرِمْت، وإذا رَحلْتَ عنها، بقَلبِك فيها بَقِيت، هذه هي عُمان، إذا صَمتَ سَلاطِينها أنارت دروس الحِكمَة، وإذا تحدّثوا في أمر زالت آفاتُ الفُرقَة وكُشِفَت الغُمَّة.
*****
توقيع:
يا بداية كل غلا يا بلادي الغالية عُمان..
قلبي عن حبّك أبد ما توانى ثانية عُمان..
يا الهوى يا السلطنة أنا إنتِ وإنتِ أنا..
من تكوني موطنه يحيا وحياته هانية
الشاعر مشاري إبراهيم.
