خلفان الطوقي
تسعى سلطنة عُمان لتطبيق كل القوانين والتشريعات والمعاهدات الدولية التي وقعت عليها، هذا ما جعل تقدم كثير من مراكزها، وبالرغم من أن ذلك يرضي المسؤولين الحكوميين، ويفخروا عند تقدم جهاتهم التي يمثلونها، ولكنه ليس بالضرورة أن يرضي جميع فئات المجتمع ومنها قطاع الأعمال ورجال وصاحبات الأعمال، وفي هذه المقالة أحاول استعراض مثال واقعي سوف يكثر فيه النقاش، وخاصة أثناء تطبيقه أو قبل تطبيقه بشهور.
والمثال هو: نية إقرار الحكومة في تحويل ما نسبته 9% من الراتب الأساسي شهريًا للعامل غير العُماني مباشرة إلى منظومة الحماية الاجتماعية بدءًا من 19 يوليو 2027، وهو ما يسمى بـ"نظام الادخار"، والذي كان يطبق في السابق بشكل مختلف، ففي السابق كان رب العمل يحتفظ بما يسمى (بمكافأة الخدمة) بشكل مختلف؛ حيث كان يحق للعامل غير العُماني مكافأة، وتحتسب براتب واحد أساسي عن كل عام يعمله، وفي حال قرر العامل أو صاحب العمل إنهاء أعماله، يتم احتساب عدد أعوام عمله، ويتم صرف مبلغ إجمالي له، وهو ما يسمى بمكافاة نهاية الخدمة.
أما حاليا، فالوضع سوف يتغير، وتكون الآلية مختلفة؛ حيث ستقوم منظومة الحماية الاجتماعية بحفظ هذه المكافأة نيابة عن صاحب العمل والعامل، وسوف تحول شهريا من صاحب العمل إلى صندوق الحماية الاجتماعية.
ولا شك أن هناك تباين في وجهات النظر، فالحكومة ترى أنه تنظيم لسوق العمل، وتطبيق لقوانين منظمة العمل الدولية في حماية حقوق الإنسان والعمالة على حد سوء، وحماية مكافأة العامل، وتفادي الخلافات بين صاحب العمل والعامل، ومساعدة رب العمل في تنظيم حساباته وقوائمه المالية دون تأخير، وتفادي التراكمات المالية المستحقة المفاجأة، وتفادي ضياع حقوق العامل في حال إغلاق أو تعثر أو إفلاس الشركة. أضف إلى ذلك، ومن خلال تطبيق هذا النظام سوف تتمكن الحكومة من مراقبة أنظمة أخرى كنظام حماية الأجور، وغيرها من المؤشرات التي تمكن الحكومة من التخطيط المبكر والأفضل، ومعرفة سلوكيات والظواهر العمالية، وتسهيل معرفة صاحب العمل الملتزم، وترغب في حمايته واستمراره، وصاحب العمل الذي لديه عمالة أجنبية مسرحة بدون أي قيمة مضافة، وتضغط عليه لكشفه وإزالته بعد حين، وأخيرا، نقطة ربما لا تذكرها الجهات الحكومية الرسمية وهي أن هذه التحويلات سوف تذهب لصناديق التقاعد، وسوف تدعم سيولتها المالية من ناحية، وسوف تحافظ على ديمومتها، وتمكنها من الاستفادة منها في الأدوات الاستثمارية المختلفة.
أما من الجانب الآخر، وهو أن العديد من الشركات والمؤسسات التجارية لا يرونها بهذه الطريقة، هم يرون جانبا آخر، وهو إرهاق المؤسسات التجارية بمزيد من القوانين والتشريعات والأعباء المالية، وبالتالي فاتورة المنتجات أو الخدمات التي تؤثر سلبًا في سعر ما ينتج أو يقدم إلى المستهلك النهائي، وأن منظومة الحماية الاجتماعية تأخذها لدعم صناديقها التقاعدية والاستثمارية ليس إلا، ولا تكترث للوضع المالي للشركات التجارية، ولا تهتم بأن الكثير من أصحاب العمل يعانون في الوقت الراهن من السيولة المالية (cash flow) وخاصة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وأن مثل هذه الأنظمة سوف تزيد من الأعباء المالية والإدارية والمحاسبية؛ مما يهدد الكثير من شركات القطاع الخاص بالتعثر والإفلاس والخروج من سوق العمل برمته، وأن هذا النظام يؤثر على الشركات العاملة في عُمان، ويعطي الشركات الموردة من الخارج أفضلية في التنافس؛ حيث إن الشركات التي لا تعمل وفق القوانيين العُمانية لا تطبق أو تحمل فوق أكتافها هذه الأعباء، وأن هذه النظام غير صالح للوضع المحلي، وأن هناك بعض القطاعات لديها اتفاقات عرفية لا يمكن أن تُطبِّق هذا النظام، وإلا عانى القطاع بشكل شامل، والذي بدوره سوف يؤثر سلبًا على قطاعات أخرى مثل قطاع صيد السمك والزراعة وتربية الثروة الحيوانية، وغيرها من القطاعات التي لديها أعرافها الخاصة.
هل الحكومة على حق؟ وترى أن هذا التقنين سوف يخلق بيئة عمالية صحية وشفافة؟ أم أن كل تدخل حكومي يعني أعباءً إضافية تستفيد منها الأسواق المنافسة؟ وهل هذه الخطوة سوف تحقق "اقتصادًا كليًا" أقوى وأفضل، أم أنها ستُفيد منظومة الحماية الاجتماعية وحدها دون غيرها؟
على العموم، ولأن تطبيق نظام الادخار للعمالة غير العُمانية يفصلنا عنه حوالي 9 أشهر إلا قليلًا، أدعو كل من يهمه الأمر سواء مسؤول أو صاحب عمل إلى النقاش العميق والحوار البناء لأجل بناء اقتصاد متين ومستدام، وعُمان ومصلحتها تظل الهدف الأسمى.
