◄ المسروري: نتابع باستمرار الممارسات التي قد تؤثر سلبًا على التنافسية
◄ السيابي: نحرص على ضمان التزام المزودين بالإفصاح عن جميع الأسعار والرسوم
◄ العبري: سهولة الطلب والخصومات قد تجعل المستهلك لا ينتبه لفروقات الأسعار
الرؤية- ريم الحامدية
شكا عدد من المواطنين عبر مواقع التواصل الاجتماعي من الارتفاع الملحوظ في أسعار الوجبات ورسوم التوصيل عبر تطبيقات توصيل الطعام، مقارنة بالأسعار المعتمدة لدى المطاعم والمقاهي عند الشراء المباشر، مشيرين إلى أنَّ إضافة رسوم التوصيل والخدمة، إلى جانب الفروقات في أسعار بعض المنتجات، تجعل التكلفة النهائية للطلب أعلى بصورة ملحوظة.
وأثارت هذه الزيادة العديد من التساؤلات حول حجم العمولات التي تتقاضاها هذه التطبيقات من المطاعم والمقاهي، ومدى انعكاسها على الأسعار التي يتحملها المستهلك، لا سيما في ظل محدودية البدائل المتاحة في السوق، إذ طالب الكثيرون بضرورة تنظيم سوق تطبيقات التوصيل وتعزيز المنافسة والشفافية في تحديد الأسعار والرسوم، بما يحقق التوازن بين مصالح المنصات الرقمية والمطاعم المحلية، ويحمي المستهلك من أعباء إضافية قد تؤثر في قدرته الشرائية.
ويؤكد خالد المسروري، القائم بأعمال مدير عام مركز حماية المنافسة ومنع الاحتكار بوزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، أن المركز يولي اهتمامًا بمتابعة وتحليل واقع المنافسة في الأسواق الرقمية، بما فيها سوق تطبيقات توصيل الطعام في سلطنة عُمان، في ظل التوسع المتسارع الذي يشهده هذا القطاع، وتنامي دوره في دعم الأنشطة التجارية والخدمية، مشيرًا إلى أن ضمان بيئة تنافسية عادلة يمثل ركيزة أساسية لتعزيز كفاءة السوق، وتحفيز الابتكار، وحماية مصالح المطاعم والمقاهي والمستهلكين.

وأوضح -في تصريحات لـ"الرؤية"- أن المؤشرات الأولية لسوق تطبيقات توصيل الطعام تشير إلى وجود تركز سوقي حول أحد التطبيقات الرئيسية، مع محدودية عدد المنافسين، الأمر الذي يستدعي تقييم انعكاسات هذا التركز على مستوى المنافسة، والعمولات المفروضة، والشروط التعاقدية، ومدى توافر الخيارات أمام المنشآت والمستهلكين، مؤكدًا أن امتلاك أي منشأة لمركز مُهيمن في السوق لا يُعد مخالفة قانونية بحد ذاته، وإنما تكمن المخالفة في إساءة استغلال ذلك المركز من خلال ممارسات من شأنها تقييد المنافسة أو الإضرار بالمتعاملين، بالمخالفة لأحكام قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار.
وأشار المسروري إلى أنَّ المركز يمتلك الصلاحيات والأدوات القانونية اللازمة لدراسة أوضاع الأسواق والتحقق من الممارسات التي قد تُؤثر سلبًا في المنافسة، سواء بناءً على الشكاوى المقدمة أو بمبادرة منه، وذلك من خلال جمع البيانات وتحليل الحصص السوقية، وفحص العقود والعمولات وشروط التعامل، وتقييم العوائق التي قد تحد من دخول منافسين جدد أو توسعهم في السوق، مضيفاً أن ارتفاع العمولات أو فرض شروط تعاقدية غير عادلة قد ينعكس على هوامش ربح المطاعم والمقاهي، ولا سيما المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وقد يؤثر في قدرتها على الاستمرار والتوسع، فضلًا عن انعكاساته المحتملة على الأسعار وجودة الخدمات المقدمة للمستهلكين، الأمر الذي يُعزز أهمية ضمان الشفافية والعدالة في العلاقات التعاقدية بين المنصات الرقمية والمنشآت المستفيدة من خدماتها.
وبيّن المسروري أن تعزيز المنافسة في هذا القطاع يتطلب تهيئة الظروف المناسبة لدخول تطبيقات جديدة إلى السوق، والحد من العوائق غير المبررة أمام الاستثمار والتوسع، إلى جانب تعزيز شفافية العمولات والشروط التعاقدية، وبحث الحاجة إلى ضوابط تنظيمية إضافية بالتنسيق مع الجهات المختصة، متى ما أظهرت نتائج تقييم السوق وجود اختلالات تستدعي ذلك، مؤكدا أن الهدف ليس تقييد نمو المنصات الرقمية أو التدخل في المنافسة المشروعة، وإنما ضمان ممارسة الأنشطة الاقتصادية في إطار من العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص، بما يحقق التوازن بين استدامة أعمال شركات التوصيل، وحماية مصالح المطاعم والمقاهي، وصون حقوق المستهلكين، ويُسهم في بناء سوق رقمية أكثر تنافسية واستدامة، تدعم توجهات سلطنة عُمان نحو تنويع الاقتصاد وتعزيز الاستثمار والابتكار.
من جانبه، أوضح خالد السيابي، مدير دائرة تنظيم ومراقبة الأسواق والمتحدث الرسمي بهيئة حماية المستهلك، أن الهيئة تحرص على ضمان التزام المزودين بالإفصاح الواضح عن جميع الأسعار والرسوم المرتبطة بالخدمات المقدمة للمستهلك، موضحًا أنَّ الهيئة تعتمد قوائم الأسعار للمطاعم المدرجة ضمن التطبيقات، بما يتيح لها متابعتها، ولا تسمح بأي رفع للأسعار دون تقديم طلب مسبق بذلك.

وقال إن الخدمات الإضافية تخضع لما يتم الاتفاق عليه تعاقديًا، مع إلزام صاحب المنشأة التجارية بتوضيحها للمستهلك قبل إتمام عملية الشراء، وإدراجها في الفاتورة، بما في ذلك رسوم التوصيل أو أي رسوم إضافية أخرى، بحيث تُعرض بصورة واضحة أمام المستهلك قبل إتمام عملية الشراء، مؤكدا أن الهيئة تتابع الشكاوى الواردة من المستهلكين بشأن عدم وضوح الأسعار أو وجود رسوم لم يُعلن عنها مسبقًا، وتتخذ الإجراءات اللازمة للتحقق من مدى التزام المزودين بأحكام قانون حماية المستهلك، الذي يضمن حق المستهلك في الحصول على معلومات صحيحة وواضحة تمكّنه من اتخاذ قرار الشراء عن بينة.
وأوضح أنَّ الهيئة تتعامل مع الشكاوى المتعلقة بالأسعار أو الرسوم الإضافية من منظور حماية حقوق المستهلك وضمان عدم تعرضه للتضليل أو الخداع، وذلك وفقًا للتشريعات والقوانين المعمول بها، وفي مقدمتها قانون حماية المستهلك ولائحته التنفيذية، لافتاً إلى أن الحالات التي يكون فيها اختلاف السعر أو فرض الرسوم مصحوبًا بعدم الإفصاح الواضح عنها أو تقديم معلومات مضللة للمستهلك، تُعد من الممارسات التي تستوجب تدخل الهيئة واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة.
وبيّن السيابي أن تقييم الهيئة للحالات الواردة إليها يستند إلى مدى وضوح المعلومات المقدمة للمستهلك، وشفافية الإعلان عن الأسعار والرسوم، ومدى توافق الممارسة مع الأحكام القانونية المنظمة لحماية المستهلك والمنافسة العادلة في السوق، مشيرا إلى أن الهيئة تعمل بصورة مستمرة على تعزيز حماية المستهلك في مختلف الأسواق الرقمية، من خلال تكثيف الجهود الرقابية والتوعوية، ومتابعة الإعلانات والعروض الترويجية للتأكد من صحتها وعدم احتوائها على أي بيانات قد تؤدي إلى تضليل المستهلك.
وأكد السيابي أن الهيئة تشجع مزودي الخدمات على تبني أفضل الممارسات المتعلقة بالشفافية والإفصاح عن الأسعار والرسوم والشروط المرتبطة بالعروض، مشددًا على أهمية تعامل المستهلكين مع المتاجر والمنصات الموثوقة، والتحقق من وضوح الأسعار والرسوم قبل إتمام عمليات الشراء، بما يسهم في تعزيز تجربة استهلاكية آمنة وشفافة.
وأشار إلى أنه في إطار تطوير المنظومة الرقابية، تحرص الهيئة على تعزيز التعاون والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة لتبادل المعلومات ومتابعة المستجدات المرتبطة بالتجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية، بما يسهم في توفير بيئة تسوق إلكترونية أكثر شفافية وعدالة للمستهلكين.
من جهته، قال عبدالله العبري، باحث في الاقتصاد السلوكي، إن استمرار المستهلكين في استخدام تطبيقات توصيل الطعام رغم ارتفاع تكلفتها لا يعني بالضرورة عدم اهتمامهم بالإنفاق، وإنما يرتبط بما توفره هذه التطبيقات من راحة وتوفير للوقت والجهد، إذ تتيح للمستخدم اختيار المطعم وإتمام الطلب والدفع من مكانه، دون الحاجة إلى الاتصال أو الخروج، وهو ما يكتسب أهمية في ظل طول ساعات العمل والازدحام المروري والوقت الذي يستغرقه الوصول إلى المطاعم.

وأوضح العبري أن عملية الطلب عبر التطبيقات تصبح أكثر سهولة مع تكرار الاستخدام، نتيجة حفظ العنوان وبيانات الدفع وظهور المطاعم المفضلة أمام المستخدم، في حين تتطلب مقارنة سعر الوجبة داخل المطعم بسعرها في التطبيق، ثم احتساب رسوم التوصيل والخدمة، جهدًا إضافيًا قد لا يرغب المستهلك في بذله، خصوصًا عندما يكون جائعًا أو متعبًا أو منشغلًا.
وأشار إلى أن تكرار الطلب عبر التطبيق قد يحوّله تدريجيًا إلى عادة مرتبطة بأوقات معينة، مثل نهاية الدوام أو السهرات المسائية، مؤكدًا أن ذلك لا يعني أن مستخدمي التطبيقات يتصرفون دون وعي، وإنما قد تكون الراحة حاضرة أمامهم بصورة مباشرة، بينما لا تظهر التكلفة الكاملة إلا في المرحلة الأخيرة من عملية الطلب.
ولفت إلى أن دراسة استطلاعية محدودة أُجريت في مسقط عام 2024 أظهرت أن أغلب المشاركين يطلبون الطعام ثلاث مرات أو أكثر شهريًا، إلا أن صغر حجم العينة لا يسمح باعتبار نتائجها صورة ممثلة لجميع سكان مسقط أو سلطنة عُمان. وأضاف أن بعض المطاعم تحافظ على السعر نفسه داخل المطعم وفي التطبيق، وتتحمل عمولة المنصة من أرباحها.
وفيما يتعلق بتأثير الخصومات والعروض الترويجية على قرارات المستهلكين، أكد العبري أن الخصومات قد تجعل بعض المستهلكين يغفلون عن المبلغ النهائي الذي سيدفعونه، موضحًا أن الرقم الكبير أو الملون للخصم يلفت الانتباه بسرعة، في حين قد لا تحظى الرسوم التي تظهر في مرحلة لاحقة بالقدر نفسه من الانتباه، وهو ما يُعرف في الاقتصاد السلوكي بـ"بروز السعر"، حيث يؤثر ما يراه المستهلك أولًا في قراره بدرجة أكبر مما قد يتوقع.
وأشار العبري إلى أن بعض العروض الترويجية، مثل "أضف صنفًا ليصبح التوصيل مجانيًا"، قد تبدو للمستهلك فرصة للتوفير، لكنها قد تدفعه إلى شراء منتج لم يكن يخطط لشرائه، وقد تكون قيمته أعلى من رسوم التوصيل التي حاول تجنبها.
وحول سبل تعزيز وعي المستهلك دون التأثير على سهولة الخدمة، أكد العبري أن الهدف لا يتمثل في دفع الناس إلى التوقف عن استخدام تطبيقات التوصيل، وإنما تمكينهم من معرفة المبلغ الذي سيدفعونه كاملًا قبل اتخاذ قرار الشراء، لافتًا إلى إمكانية تحقيق ذلك من خلال إظهار تقدير للتكلفة الإجمالية منذ مرحلة اختيار المطعم، ثم عرض المبلغ الدقيق قبل تأكيد الطلب، مع الفصل بوضوح بين سعر الطعام ورسوم التوصيل والخدمة.
وأوضح أن من بين الإجراءات الممكنة إظهار قيمة الخصم بالبيسة أو الريال، وبيان السعر قبل الخصم وبعده، والتنبيه إلى وجود اختلاف بين سعر المنتج في المطعم وسعره عبر التطبيق، بما يعزز قدرة المستهلك على المقارنة واتخاذ القرار المناسب.
وأشار إلى أن قانون حماية المستهلك العُماني يكفل للمستهلك الحصول على السلعة والخدمة بالسعر المُعلن، ويحظر تقاضي سعر أعلى مما أُعلن، مبينًا أن المقترح يتمثل في عرض التكلفة الإجمالية بصورة أكثر وضوحًا وفي مرحلة مبكرة من خطوات الطلب.
واقترح اختبار هذه الآلية بالتعاون مع إحدى منصات التوصيل، وقياس مدى مطابقة المبلغ المعروض قبل تأكيد الطلب للمبلغ الذي يُحصّل فعليًا، إلى جانب قياس قدرة المستخدمين على تذكر إجمالي فاتورتهم بعد إتمام الطلب، بما يساعد على تقييم فاعلية الإفصاح المبكر عن الرسوم.
وعلى مستوى الأسرة، أكد العبري أن المستهلك يستطيع اتخاذ خطوات بسيطة تساعده على اختيار ما يناسبه، من خلال الاحتفاظ برقم المطعم القريب أو اختيار الاستلام المباشر في بعض الأحيان، ووضع تذكير بالمبلغ الإجمالي قبل الدفع، فضلًا عن متابعة عدد طلبات التوصيل أسبوعيًا، ليس بهدف الوصول بها إلى الصفر، وإنما للتأكد من أن الطلب يأتي نتيجة قرار واعٍ وليس استجابة تلقائية في كل مرة.
