الاختلاف.. وهندسة القبول

 

 

وداد الاسطنبولي

 

كنت دائمًا أرى الاختلاف شيئًا جميلًا؛ فلكلٍّ منَّا مميزاته الخاصة التي لا تُقارن بالآخرين، وما يحمله الطرف الآخر من صفات مغايرة يضيف إلى علاقاتنا جمالًا وعمقًا. فالحياة نفسها تقوم على هذه الفروقات، ومن خلالها تنعكس أمامنا صور متعددة، تجعل رؤيتنا للعالم أكثر اتساعًا ورحابة.

ولكن، لماذا يصبح الاختلاف عبئًا ثقيلًا أحيانًا على البعض؟ هل لأن الأفكار تتصادم، أم لأن بعضنا يبحث بوعي أو دون وعي عن نسخة تطابق ملامحه الفكرية والنفسية لتُسهّل عليه التعامل؟

إذا توقفنا قليلًا عند هذا السؤال، سنجد أن الإنسان يخاف طبيعيًّا مما لا يعرفه، ويهاب ما قد يترتب عليه من نتائج. لكن هذا الخوف يحتاج منَّا إلى شيء من الاتزان والوعي، حتى نعيد النظر إلى التباين بطريقة أكثر نضجًا؛ فالأشياء لا تتطابق لكي تكتمل، بل يكمل بعضنا بعضًا، وتتسع الرؤية حين نسمح للاختلاف بأن يضيف إلينا، بدلًا من أن نجعله سببًا في ابتعادنا.

وهنا تحديدًا تبرز أهمية فن المسافات التي نتشاركها مع الآخرين؛ فلكلٍّ منا مساحته الخاصة التي تحميه، لكن الجمال الحقيقي يكمن في تلك المساحة المشتركة بيننا، التي تمنحنا فرصة الاقتراب دون أن نفقد خصوصيتنا، والاختلاف دون أن نخسر قدرتنا على التواصل والود.

ربما كانت نظرتي إلى الحياة تأملية وتفاؤلية، لذلك أختار دائمًا أن أنظر إلى الاختلاف من زاوية هندسة القبول، لا من زاوية الصدام والمقاومة.

ومن هنا، أرى أنَّ المفتاح يكمن في تحويل زاوية رؤيتنا لهذا التباين إلى مساحة إيجابية، نراه من خلالها جسرًا للتكامل ومصدرًا للتميّز، لا حاجزًا يعوق علاقاتنا بالآخرين.

فنجاح العلاقات لا يقوم أبدًا على التشابه التام، وإنما على الوعي الذي يجعلنا نتقبل الآخر، ونفهم وجهة نظره، وندرك أن ما ينقصنا قد نجده لديه، وأن التنوع في الأفكار والطباع يمنح علاقاتنا عمقًا لا يمكن للتشابه وحده أن يصنعه.

وفي النهاية، نحن لا نبحث عن النضج التام في الطرف الآخر، ولا عن نسخة تكرّر ملامحنا وأفكارنا، بل نبحث عن التناغم الذي يسمح لنا بأن نكون مختلفين، ومع ذلك نستطيع أن نتشارك الحياة بوعي وتقبّل.

قد لا نشبه بعضنا بعضًا، لكننا بالتأكيد نستطيع أن نتّسع لبعضنا.

الأكثر قراءة

z