فرية "رسالة 7 أكتوبر".. و«الخيانة العظمى» (1-2)

 

أحمد سعيد طنطاوي **

هناك كلمات في السياسة والحرب، إذا قيلت مرة، ظلَّ صداها أطول من الحقيقة نفسها.. أو ظلَّ كذبها وفريتها أطول من الحقيقة نفسها. ومن هذه الكلمات حكاية «رسالة 7 أكتوبر» من الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات إلى هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي في سبعينيات القرن الماضي.

الرسالة التي يُراد لنا أحيانًا أن نقرأها باعتبارها اعترافًا بالخطة العسكرية المصرية، أو إفشاءً لأسرار الحرب، أو حتى «خيانة عظمى»! وهنا يصبح السؤال أهم من الاتهام: ماذا قالت الرسالة فعلًا؟ وهل مجرد إبلاغ الخصم السياسي بحدود الحرب يعني أن صاحبها سلّمه خريطة المعركة؟

الوثائق الأمريكية المنشورة تقول إن حافظ إسماعيل، مستشار الأمن القومي للرئيس أنور السادات، بعث في 7 أكتوبر 1973 برسالة سرية إلى هنري كيسنجر.

"مصر لا تنوي توسيع نطاق الحرب أو تعميق مدى الاشتباكات خارج نطاق هدفها المحدد.. وأن العمق سيكون بالعمق".

اللافت أن الرسالة لم تكن خريطة عسكرية، ولم تكن جدولًا لتحركات القوات، ولم تكن كشفًا لمواعيد الضربات وأماكنها، وإنما تحدثت عن الموقف المصري وأهدافه، وأكدت أن مصر لا تريد «تعميق الاشتباك أو توسيع المواجهة». فأين الخيانة هنا؟ بل أين الخطة العسكرية أصلًا؟

هناك فرق هائل بين أن تقول لخصمك: هذا هو الهدف السياسي الذي نريده من الحرب، وبين أن تقول له: هذه هي الطريقة التي سننفذ بها الحرب.. الأولى سياسة.. والثانية معلومة عملياتية.

والذين يخلطون بين الاثنين ربما يظنون أن الحرب لعبة أطفال: إذا قلت إنك تريد استعادة أرضك فهل تكون قد كشفت كيف ستستعيدها؟!! الحرب ليست كذلك.. بل إن ألف باء السياسة العسكرية أن يعرف الخصم أحيانًا ما الذي تريده منه، وما الذي لن تفعله ضده، وما الذي يمكن أن يحدث إذا تجاوز خطوطًا معينة. وهنا تظهر العبارة التي تبدو بسيطة، لكنها في علم الاستراتيجية ليست بسيطة على الإطلاق: ضرب العمق بالعمق.

نعم، ضرب العمق ألف باء في الردع.. لكن امتلاك القدرة على ضرب عمق الخصم لا يعني بالضرورة أن ضربه هو القرار الأفضل.. وهنا يتدخل العقل السياسي فوق العقل العسكري. نعم، أنت تستطيع أن تضرب، لكن هل ينبغي أن تضرب؟ وهل كل هدف تستطيع الوصول إليه يصبح هدفًا بحتًا؟ وهل الحرب التي يمكن أن تكسب فيها معركة تستطيع أن تخسر فيها السياسة؟ هذه الأسئلة هي التي تميز الدولة التي تحارب بعقل عن الدولة التي تترك السلاح يقودها.

كلاوزفيتس، المفكر العسكري، يقول إن الحرب ليست شيئًا منفصلًا عن السياسة، بل هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى.

ومعنى الفكرة أهم من العبارة نفسها: السلاح ليس هو صاحب القرار النهائي؛ السلاح أداة لهدف سياسي كبير.. ولذلك لن يفهم العسكري دائمًا ما يفكر فيه السياسي.

وكما في الشطرنج، قد يرى الجندي المربع الذي أمامه، بينما يرى اللاعب (القائد) الرقعة كلها.. البيادق لا تعرف لماذا تحركت؟! والقلعة (الطابية) لا تسأل لماذا بقيت في مكانها.. والحصان لا يعرف ماذا يريد الملك.. ليس لأنهم أغبياء، بل لأنهم لا يرون اللعبة كلها.

وهنا نصل إلى مفهوم مهم في إدارة الحروب الحديثة: ضبط التصعيد Escalation Control.. فالمسألة ليست فقط: هل أستطيع الوصول إلى عمق الخصم؟ إنما المسألة الأخطر هي: ماذا يحدث إذا وصلت؟ وماذا سيحدث إن فعل معي بالمثل وضرب القاهرة والشرقية والمنصورة. وأكبر دليل ما كشفته مذيعة شهيرة في حلقتها عن استعداد مصر لإصلاح الكباري المدنية الشهيرة.. وتخصص شركات مقاولات مدنية لترميمها في حالة ضرب تلك الكباري.. وهل كان يفعل ذلك إلا مخطط يتحسب لكل خطوة؟! حتى لو كانت الضرب في العمق.

فقد تستطيع أن تضرب العمق، ولكنك بذلك تفتح بابًا لضربة مماثلة في عمقك، ثم يرد خصمك، ثم ترد أنت، ثم لا يبقى في الحرب عمق ولا جبهة ولا حدود.

تصبح الدولة كلها جبهة.. وهنا تفقد الحرب معناها العسكري وتبدأ في التحول إلى حرب على الإنسان.. ولذلك رأينا في الحرب الروسية - الأوكرانية، خلال مراحل مختلفة، جدلًا مستمرًا حول حدود استخدام الأسلحة بعيدة المدى داخل العمق الروسي، بل إن دولًا غربية فرضت في فترات قيودًا على كيفية استخدام بعض الأسلحة التي زودت بها أوكرانيا.

لم يكن السؤال دائمًا: هل تستطيع أوكرانيا الوصول لضرب موسكو؟ ولكان السؤال: ماذا سيحدث إذا وصلت؟ وهل يؤدي ضرب العمق الروسي إلى تحقيق الهدف السياسي، أم إلى توسيع الحرب؟ هل هذا خيانة؟ طبعًا لا. هذه سياسة.. بل عين السياسة.

يُتبع، ونستكملُ في المقال التالي...

** كاتب وباحث مصري

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z