صياغة العقود التجارية.. خط الدفاع الأول لحماية الشركات

 

 

 

 

نبيل بن حيدر البلوشي **

[email protected]

 

في الأشهر الأخيرة جمعتني جلسات مع أصدقاء يملكون شركات صغيرة ومتوسطة، بعضهم في المقاولات وبعضهم في التجارة والخدمات، وكان لافتاً أنَّ الحديث في كل مرة، مهما بدأ بعيدا، كان ينتهي عند قصة خلاف مع عميل أو مورد أو شريك، وعند جملة تتكرر بصيغ مختلفة مفادها أننا لو كتبنا العقد بشكل أفضل لما وصلنا إلى هنا.

ومن هذه الجلسات، ومن مواقف مررت بها بنفسي، ترسخت لدي قناعة بأنَّ العقد المكتوب بذكاء ومرونة هو خط الدفاع الأول الذي يحمي الشركة قبل أن تحتاج إلى محام يدافع عنها أمام القضاء في نزاعات طويلة ومكلفة.

وقبل أن أمضي أكثر أود أن أكون واضحا تماما، فما أكتبه هنا ليس استشارة قانونية ولا يصح أن يُعامل على أنه كذلك، وإنما هو خلاصة تجربة شخصية وملاحظات جمعتها من واقع السوق، وكل من يقف أمام عقد مهم أو قرار مصيري عليه أن يرجع إلى مكتب مُحاماة متخصص في القضايا التجارية وصياغة العقود والتحكيم التجاري، لأنَّ تفاصيل كل حالة وشرع المواد القانونية يصنعان فرقاً لا يمكن لمقال عام أن يحيط به.

أول ما تعلمته أن أخطر ما في العقود ليس ما تقوله، بل ما تسكت عنه، وأكثر ما يسكت عنه عادة هو الطريقة التي سيحل بها الخلاف إن وقع، فيتفاجأ الطرفان عند أول خلاف بأنَّ الطريق الوحيد أمامهما هو المحكمة بكل ما تحمله من وقت وتكلفة واستنزاف للعلاقة. والأجدى في رأيي أن ينص العقد على مسار متدرج وملزم يبدأ بمفاوضات ودية بين الطرفين خلال مُهلة مُحددة، كأربعة عشر يوما أو ثلاثين يوما من تاريخ الإخطار بالخلاف، فإن لم تثمر انتقل الطرفان إلى وساطة يقودها وسيط محايد مُعتمد لا يفرض قرارا على أحد، بل يساعد كل طرف على رؤية ما لا يراه وهو غارق في انفعاله. وقد رأيت بعيني خلافات كانت تبدو مستعصية تحل في جلسة وساطة واحدة، لأن أحدا جلس في المنتصف وأعاد الحديث إلى الأرقام بدلا من المشاعر.

فإذا تعذر الحل الودي فإن التحكيم يبقى في تقديري البديل عن المحاكم، وهو الخيار الذي تميل إليه الشركات في العالم لما يوفره من سرعة نسبية وسرية تحفظ سمعة الطرفين وأحكام ملزمة قابلة للتنفيذ. لكن شرط التحكيم الغامض قد يكون أسوأ من غيابه، ولذلك أحرص دائما على أن يحدد فيه مركز التحكيم بالاسم، سواء كان مركز عُمان للتحكيم التجاري أو المركز السعودي للتحكيم التجاري أو مركز دبي للتحكيم الدولي، وأن يذكر القانون الواجب التطبيق ولغة التحكيم وعدد المحكمين، حتى لا يتحول الخلاف الأصلي إلى خلاف جديد حول كيفية حل الخلاف نفسه.

ثم إن السنوات الأخيرة علمتنا جميعا أن ما لم يكن في الحسبان قد يحدث فجأة، من جائحة أغلقت العالم إلى اضطرابات سياسية عطلت الممرات المائية وأربكت سلاسل الإمداد، ومن هنا صار بند القوة القاهرة والظروف الطارئة جزءا جوهريا لا يجوز نسخه من نموذج قديم دون تفكير. فالمطلوب أن يحدد العقد بدقة ما يعد قوة قاهرة، كالحروب والأوبئة وإغلاق الممرات المائية، وأن يضع آلية واضحة لما يحدث بعدها، فيبين متى تعلق الالتزامات مؤقتا، وكيف توزع الخسائر، ومتى يحق لأي طرف إنهاء العقد وديا ودون تعويض إذا طال أمد الظرف إلى مدة يتفق عليها الطرفان مسبقا.

ومن البنود التي أنقذت أحد أصدقائي من نزاع كان يمكن أن يستمر طويلا بند التعويض الاتفاقي أو ما يعرف بالشرط الجزائي، إذ اتفق مع مورده منذ البداية على غرامة محددة عن كل يوم تأخير في التسليم، فلما تأخرت الشحنة لم يكن هناك ما يتجادل عليه، لأن قيمة التعويض كانت مكتوبة وموقعة من الطرفين، ولم يحتج أحد إلى المحكمة لتقدير حجم الضرر. وما أنصح به من واقع التجربة أن تكون قيمة هذا التعويض معقولة ومتناسبة مع الضرر المتوقع فعلا.

ومن أكثر الأفكار التي غيرت نظرتي إلى العقود فكرة الإنهاء المرن، أي أن يسمح العقد لأي من الطرفين بإنهائه دون إبداء أسباب بشرط إخطار الطرف الآخر كتابياً قبل مدة كافية، كستين يوما مثلا، وهو بند قد يبدو للوهلة الأولى تهديداً لاستقرار العلاقة، لكنه في الحقيقة باب خروج محترم من شراكات لم تنجح، بدلا من أن يبقى الطرفان مقيدين بعلاقة متعثرة لا يجدان طريقا للخروج منها إلا عبر قاعات المحاكم وما يرافقها من خصومة وخسائر.

ما أخرج به من كل هذه التجارب أن العقد ليس ورقة نوقعها لننتهي من الإجراءات ونمضي إلى العمل، بل هو خريطة للعلاقة كلها، ترسم ما سيحدث حين تسير الأمور كما نتمنى وحين تسير على غير ما نتمنى، والشركات الصغيرة والمتوسطة تحديدا لا تملك ترف الدخول في نزاعات تمتد سنوات وتستهلك سيولتها ووقت إدارتها وطاقة فريقها. ولهذا فإن ساعة إضافية مع محامٍ متخصص قبل التوقيع قد توفر شهورا من القلق بعده، وهذه في النهاية تجربتي أشاركها كما هي، لعلها تفيد من يقف اليوم على أعتاب عقد جديد، مع التأكيد مرة أخرى على أنها ليست بديلا عن المشورة القانونية المتخصصة.

** خبير اقتصادي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z