ظفار.. مزرعة عُمان الكبرى

 

 

 

◄ لماذا لا تتحول الثروة الحيوانية إلى قوة اقتصادية وغذائية؟!

 

علي بن سهيل المعشني

تمتلك محافظة ظفار ثروة حيوانية كبيرة، تشكّل الإبل والأبقار جزءًا أساسيًا منها، وترتبط بها حياة آلاف الأسر الريفية التي توارثت تربية الحيوانات ورعايتها عبر أجيال. لكن هذه الثروة، بما تحمله من قيمة اقتصادية واجتماعية وغذائية، لم تتحول بعد إلى منظومة إنتاج متكاملة تمنح المربي دخلًا مستقرًا، وتزيد مساهمة الإنتاج المحلي في تلبية احتياجات السوق العُماني.

وتشير بيانات إحصائية لعام 2024 243ألف رأس من الأبقار و170 ألف رأس من الإبل في ظفار. وهي أرقام تعكس حجم المورد، لكنها لا تكفي وحدها لقياس الإنتاج الفعلي؛ فعدد الحيوانات لا يعني بالضرورة توافر كميات مماثلة من الحليب أو اللحوم، إذ تتفاوت معدلات الإنتاج وفق السلالات والتغذية والصحة الحيوانية ونظم التربية.

السؤال الذي يستحق النقاش ليس لماذا يربي المواطنون في ظفار هذه الأعداد، بل لماذا لا تتحول هذه الثروة إلى قيمة اقتصادية أكبر، في الوقت الذي تتحمل فيه شركات الألبان واللحوم تكاليف مرتفعة للتصنيع والنقل والتخزين والتوزيع، وتحتاج الأسواق إلى إمدادات غذائية مستقرة؟

تكمن المشكلة في الفجوة بين الإنتاج الريفي المتفرق والسوق المنظم؛ فالمربي يستطيع توفير الحليب أو الحيوان الحي، لكنه قد يواجه صعوبة في الوصول إلى مشترٍ دائم، أو الحصول على سعر عادل، أو تحمل تكاليف الأعلاف والعلاج والنقل. وفي المقابل، تحتاج الشركات إلى كميات منتظمة، وجودة محددة، وسلاسل تبريد ونقل ومعايير صحية تضمن سلامة المنتج واستمرارية توريده.

وقد وثقت دراسة علمية عن الرعي المعاصر في جبال ظفار، نُشرت عام 2020، حجم التحديات الاقتصادية التي تواجه الأسر الرعوية. فقد أفادت 97 في المائة من الأسر التي أجابت عن سؤال الربحية في عينة الدراسة بأنها تتكبد خسائر مالية صافية من تربية الحيوانات. وهذه النتيجة تخص العينة المدروسة وموقعها وظروفها آنذاك، ولا يجوز تعميمها على جميع مربي ظفار اليوم، لكنها تكشف مشكلة تستحق المعالجة: استمرار تربية الحيوانات لأسباب اقتصادية واجتماعية وثقافية، رغم ضعف العائد المالي وارتفاع تكاليف الإنتاج.

وفي ظفار نفسها، أُنشئت شركة المروج للألبان بهدف تطوير إنتاج الحليب وجمعه، مع خطط معلنة لإنشاء مراكز تجميع للألبان البقرية والإبلية. كما تتضمن الخطط الاستثمارية العُمانية مشروعات لتسمين الماشية وإنتاج اللحوم، إلى جانب شركة البشائر للحوم التي تستهدف دعم الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات. غير أن الطاقات التصميمية لهذه المشروعات والأهداف المعلنة لا تثبت وحدها حجم إنتاجها الفعلي أو نسبة مشترياتها من المربين المحليين.

وهنا تبرز مسألة جوهرية تحتاج إلى إجابة بالأرقام: ما حجم الحليب الذي تجمعه الشركات حاليًا من مربي ظفار؟ وما نسبة احتياجاتها التي تغطيها الحيوانات المحلية؟ وكم تشتري من العجول والماشية المحلية سنويًا؟ وما حجم الطاقة التشغيلية المستخدمة مقارنة بالطاقة التصميمية؟ لا تتوافر في البيانات المنشورة التي أمكن الاستناد إليها أرقام حديثة وكافية تحسم هذه الأسئلة. ولذلك لا يصح اتهام الشركات بتفضيل الواردات على الإنتاج المحلي من دون معرفة الأسعار والمواصفات والكميات المتاحة والعقود القائمة، لكن من حق المجتمع أن يطالب ببيانات واضحة تقيس مدى ارتباط هذه الاستثمارات بالمربين المحليين.

إن الحل لا يكمن في زيادة أعداد الحيوانات بلا ضوابط، بل في رفع إنتاجيتها وتحسين عائدها، وربطها بالسوق عبر منظومة عملية. تبدأ هذه المنظومة بإنشاء قاعدة بيانات محدثة توضح أعداد الحيوانات المنتجة ومواقعها ومعدلات إنتاج الحليب واللحوم، ثم وضع عقود شراء طويلة الأجل بين الشركات والمربين، بأسعار معلنة وآليات عادلة لتحديد الجودة والكميات ومواعيد التسليم.

ويجب أن تترافق هذه الخطوات مع توفير الخدمات البيطرية، وتحسين السلالات والتغذية، وتطوير مراكز تجميع الحليب وتبريده، وإنشاء نقاط منظمة لتجميع الحيوانات وتسويقها، مع دعم الأعلاف المحلية المستدامة حيث تسمح الموارد المائية والبيئية بذلك. ويمكن البدء بمشروع تجريبي في عدد من نيابات ظفار، يقيس خلال عام حجم الإنتاج المشترى محليًا، ودخل المربين، وتكاليف الجمع والنقل، ثم تُعمم التجربة وفق نتائجها.

ولا بد أن تراعي التنمية قدرة المراعي على التحمل، وحماية الغطاء النباتي ومصادر المياه؛ فالأمن الغذائي لا يتحقق باستنزاف البيئة التي تقوم عليها الثروة الحيوانية، وإنما بتحسين الإنتاج ضمن حدود الاستدامة.

إن تحويل ظفار إلى مركز وطني مهم للإنتاج الحيواني ليس شعارًا مستحيلًا، لكنه يتطلب شراكة واضحة بين الجهات الحكومية والشركات والمربين، ومؤشرات أداء معلنة تقيس ما يُنتج محليًا وما يُشترى من المربين وما يصل بالفعل إلى المستهلك؛ فالمربي في ظفار لا يحتاج إلى من يذكّره بقيمة حيواناته؛ فهو يعرف قيمتها منذ أجيال. ما يحتاج إليه هو نظام اقتصادي يحوّل هذه القيمة إلى دخل مستدام، ومنتج آمن، ومساهمة ملموسة في الأمن الغذائي الوطني.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z