حِس اللسان العربي وعراقة اللهجة العُمانية (7)

 



 حمد الناصري
يرتبط انبعاث الصوت البشري في الفلسفات الأنثروبولوجية المعاصرة بكينونة الوجود وبنية الجسد؛ فالنطق ليس مجرد ذبذبات هوائية مفرغة، بل هو سياقٌ سلوكيّ يترجم طاقة الداخل وسكينة البيئة المحيطة. وفي ذلك الفضاء المعرفي، يبرز الكاتب والفيلسوف الألماني "مارتن هايدغر" كأحد أعمدة الفلسفة الوجودية والظاهراتية في القرن العشرين، حيث أسس في أطروحته الشهيرة الصادرة عام ألف وتسعمائة وسبعة وعشرين ميلادية (1927م) والمعنونة بـ "الكينونة والزمان"، والتي تُرجمت كاملةً إلى العربية بجهود الفيلسوف التونسي الدكتور فتحي المسكيني، منطلقاً فكرياً لحقبة فلسفية توّجها لاحقاً في أطروحته "رسالة في الإنسانوية" لعام ألف وتسعمائة وستة وأربعين ميلادية (1946م) بمقولته الأنطولوجية الكبرى بأن "اللغة هي مسكن الوجود"؛ ليوضح أنّ الكائن البشري لا يملك اللسان كأداة فحسب، بل إنّ اللسان هو الذي يملك الكائن ويعيد صياغة وجوده في بيئته المكانية.
ويتكامل هذا التأصيل الوجودي للّغة والبيئة المكانية مع ما أسسه البروفيسور الدكتور عبد الرحمن بدوي في أطروحته الشهيرة "الزمان الوجودي" لعام ألف وتسعمائة وثلاثة وأربعين ميلادية (1943م)، حيث يبرهن على أنّ زمان الإنسان ونطقه ينبعان أصلاً من تجربته الذاتية الحية وتفاعله الحسي مع تضاريس مكانه؛ وتلك البيئة تنبثق هندستها الصوتية وتشريحها الفيزيائي الأول من معجم "العين" للعبقري العُماني الخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي جعل حركة الجسد وحروف الحلق مستقراً للكينونة الإنسانية الأولى. وهو ما تؤكده الأوراق البحثية والتوثيقية المنشورة لـ "ندوة اللغات واللهجات المحكية في عُمان" في ربطها العلمي الصارم بين الخصوصيات الصوتية والنبرات اللهجية المحلية بعمق الكينونة والاستقرار الجغرافي التاريخي الممتد للإنسان العُماني في بيئته الأولى.
ذلك التأصيل الفلسفي الوجودي للسان يتلاقى مباشرة مع محورية الاتزان والنقاء في البيئة المحلية العُمانية وفي الجزيرة العربية ككل؛ حيث يميل المتحدث فطرياً نحو خفض النبرة واختزال النغمات المرتفعة الصاخبة، مستمداً حجيته العليا من التوجيه الإلهي في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}. فالآية الكريمة تحمل أبعاداً متكاملة تتوزع بين الحس، والفلسفة, والإيمان؛ إذ يغرس البُعد الإيماني تعظيماً لوقار المنطق البشري كأمانةٍ ربانيةٍ، بينما يرسخ البُعد الحسي غريزة النفرة البدنية العضوية من النشوز اللفظي والصحب الذي يخدش هدوء المكان، ليتكامل البعد الفلسفي الوجودي في تفسير سرّ القوة والضعف والاتزان اللساني؛ فالصوت الخفيض المتزن في الخطاب المحكي ليس دليلاً على ضعف الكينونة، بل هو ذروة المتانة اللفظية والاتزان السلوكي الباطن والظاهر، الذي يجعل الجغرافيا بيئة مفتوحة للتلاقي والتواصل الوجداني المستمر عابراً لتقلبات العصور المتعاقبة.
ويتسق هذا الميزان الأخلاقي والبيئي الحسي اتساقاً تاماً مع الأطروحات البلاغية التي أسسها إمام البلاغة الشهير السّكَاكِي (سراج الدين يوسف بن محمد الخوارزمي) في كتابه "مفتاح العلوم"، وهو الذي يُعد أول من هندس وقسم علوم البلاغة؛ مؤسساً بذلك المعيار النسقي الذي يضبط حركة اللسان داخل فضائه المعرفي، فإذا كان هايدغر قد صاغ أنطولوجيا "اللغة كمأوى للكينونة" وعرّب المسكيني تفاصيلها لتستوعب قلق الحاضر، فإن السكاكي هو من شيّد لهذا المسكن أركانه البلاغية التداولية صوناً لكرامة المنطق وعُمق العبارة؛ لتلتقي أطروحته المنضبطة مع الهندسة الصوتية والتشريح الفيزيائي الأول في معجم "العين" للعبقري العُماني الخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي جعل خفض الصوت وخفوته مُقتضى الفصاحة والوقار النفسي السليم والهدوء الراسخ. وهو ما تؤكده كذلك الدراسات السوسيو-لغوية وأوراق العمل الصادرة عن "ندوة الخطاب الشفهي والتراث الثقافي في عُمان" التي عقدها مركز الدراسات العُمانية بجامعة السلطان قابوس، والتي خلصت في مُسوحاتها الميدانية إلى أنّ هدوء الجرس وخفض نبرة الصوت في التواصل اليومي للمجتمعات العُمانية يُعد تعبيراً فطرياً عن السكينة البيئية والوقار السلوكي المُستقر تاريخياً في هوية المكان.
وقد يتبدّى الخطاب المحكي في هذه البيئات المفتوحة في نسقٍ مُنضبط، يربط باطن المتحدث بظاهره السلوكي؛ فالكائن اللغوي هنا يستعير كينونة الجغرافيا وهيبة طبيعته كصك تعامل وتبادل مشهود، وهو ما يُؤصل علمياً لظاهرة "صَهر عجلة الاندفاع اللفظي". ذلك الوقف المنصهر في الحديث المتبادل والخطاب المحكي يُدَلّف في الحركة اللسانية على سُكون طبيعي فطري مكاني، وذلك الوقف ليس عجزاً تعبيرياً، بل هو استجابة فطرية وقرار وجدانيّ ومكانيّ واعٍ يمنح الحرف العربي متانته التراثية ويمنع تشتت الفكرة.
ويتناغم هذا الوقف والسكينة اللفظية مع الطرح الفلسفي التداولي للفيلسوف الألماني لودفيغ فيتغنشتاين في أطروحته "تحقيقات فلسفية"، حيث يُؤصل لكون "الصمت والوقف الواعي" في الخطاب المحكي ليس غياباً للمعنى، بل هو جزءٌ بنيويٌ أصيل يمنح الألفاظ دلالتها وسياقها السلوكي المتزن داخل الجماعة اللغوية؛ وهي الهندسة الوقفية التي تلتقي مباشرة مع أصول التشريح الفيزيائي الصوتي في معجم "العين" للعبقري العُماني الخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي أثبت بالدليل القاطع، أنّ سكون النبر الحَلقي تفر به الألسن العربية من ثُقل الحركات إلى راحة السكون بالفطرة والسليقة. وهو ما تبرهنه ميدانياً البحوث الصوتية المعاصرة لـ "ندوة الخطاب الشفهي والتراث الثقافي في عُمان" التي عقدها مركز الدراسات العُمانية بجامعة السلطان قابوس في رصدها لظاهرة "الوقف الفطري وسكون النبر الحَلقي" لدى المتحدث العُماني، بوصفه أداةً نفسيةً وجغرافيةً واعيةً تصون هيبة العبارة وتحمي جينات الحرف من التشتت والاندفاع أمام عاديات الزمن وصروفه القاهرة أمام التحدي التاريخي.
حيث يستشعر اللسان العُماني اكتمال المعنى المعنوي فيقف بالسكون المُتزن عند أواخر الكلمات التليدة دون حاجة للجَرّ أو اللحوق الطارئ، محققاً اتزاناً ذاتياً بين طاقة المتحدث وجلال الفضاء المفتوح. وتتجلى شواهد هذا الوقف بالسكون والقطع الحركي في اللسان العُماني والخليجي من خلال إسقاط التنوين وحركات الإعراب عند الوقف التام، كقولهم في التداول اليومي: "الْيَوْمُ غَايِمْ" أو نطقهم التلقائي "مَكَانْ زِينْ" بترك النون عارية من الحركة هرباً من ثقل الفتح أو الكسر واختطافها ساكنةً برشاقة، بالإضافة إلى الوقف بالسكون الجازم في أفعال التوجيه والأمور المقتضبة مثل "اصْبرْ شْويّْ"؛ مِمّا يُبرهن بالدليل القاطع على نفي العجلة النطقية والارتجال تيسيراً للبيان.
ويتصل هذا الوقف بالسكون اتصالاً عضوياً بالقواعد الصوتية الكبرى للسان العربي الفصيح؛ إذ يتطابق تماماً مع نظام الهندسة الصوتية والموسيقية البكر في معجم "العين" للعبقري العُماني الخليل بن أحمد الفراهيدي، وما قعّده تلميذه أسطورة النحو سيبويه في "الكتاب" في أن العرب الأوائل لا يقفون على متحرك بل يسكنون أواخر الكلم طلباً للتخفيف وصوناً لطاقة النطق، وهو ما يجعل المحكي العُماني حارساً ووريثاً شرعياً لفصاحة قريش. وتؤكد أوراق عمل "ندوة اللغات واللهجات المحكية في عُمان" أنّ إسقاط الحركات النطقية عند الوقف في لهجات السلطنة ليس عجزاً إعرابياً، بل هو نمطٌ اتزانيٌّ واعٍ يربط فيزياء الحنجرة بهدوء الفضاء البيئي المفتوح.
ويتكامل المحور السلوكي في فِقه الألسنة المعاصرة مع نظرية اللغوي الفرنسي "أندريه مارتينيه" حول الاقتصاد في الجهد العضلي واللفظي، موضحاً ميل الألسنة الحية نحو التيسير وحذف الزوائد. وتتجلى هذه الهندسة الشفهية في اللهجة العُمانية كمصفاة بيئية واعية تصون الأصول اللفظية ومخارج الحروف من الانصهار والذوبان؛ وتنعكس تلك المقاربات الحية في طقس الاستجابة اليومية الذي يبرز حس اللسان وعلاقته بكينونة الوجود المكاني؛ حيث تتبدى طاقة الإنسان العُماني خاصة والخليجي عامة في حصر الردود في عبارة مقتضبة مثل: "الْحَمْدُ للهْ" بجرس خفيض وسكون يفيض بالسكينة في الصدر. وهذا الثبات النطقي ليس مجرد اختصار عابر، بل هو بُعْدٌ فلسفيّ وإيمانيّ تتوازن فيه قوى القوة والضعف.
ويتطابق هذا الثبات النطقي المقتضي للسكينة مع الأطروحة الفلسفية التداولية للفيلسوف الفرنسي بول ريكور في دراساته حول "الزمان والسرد"، حيث يُؤصل لكون الاختزال اللفظي المشحون بالوقار يمتلك طاقة دلالية باطنة تفوق صخب الاسترسال وتمنح الذات كينونتها الوجودية المستقرة؛ وهي هندسة الاقتضاب والوقف الساكن التي تجد تقعيدها الفيزيائي الأول في معجم "العين" للعبقري العُماني الخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي أثبت أنّ فيزياء الحنجرة تطوّع الألفاظ الروحية هرباً من ثقل الحركة إلى راحة السكون المطمئن. وهو ما تلتقي معه أوراق عمل "ندوة الخطاب الشفهي والتراث الثقافي في عُمان" التي عقدها مركز الدراسات العُمانية بجامعة السلطان قابوس في برهنتها السوسيو-لغوية على أنّ الاقتضاب الصوتي في العبارات الروحية كـ "الْحَمْدُ للهْ" لدى العُماني ليس عجزاً بليغاً، بل هو استجابة فطرية مُحكمة تُوازن بين فيزياء الحنجرة المطمئنة وهيبة المستقر الجغرافي.
خُلاصة القول: نؤكدُ من خلالها أنّ أنطولوجيا الأداء الصوتي وفلسفة طاقة اللسان العُماني والخليجي ليست مجردَ سمةٍ أدائيةٍ عابرة، بل هي الوثيقة الأنثروبولوجية الأصدق التي أثبتتها الحركة الشفهية؛ إذ تجَلّت بنيوية الإيمان العميق وبرهنت الأمثلة الداعمة لتتوافقَ مع جرس الحرف وسكينة الصدر وحركات الجسد المتزنة؛ ومثاله الأسمى كيف يستحيل اللفظ الشفهي العفوي في المجالس حارساً للهوية الوطنية والتاريخية المشتركة عابراً لتقلبات العصور المتعاقبة. وتلك هي بلاغة الخطاب المحكي الواعي الذي ينحت من طاقة الموسيقى الصوتية وعفوية المخارج في كينونة اللهجة، وهي الموسيقى التي هندس أبعادها الفيزيائية والرياضية الأولى العبقري العُماني الخليل بن أحمد الفراهيدي في معجمه التأسيسي "العين"، مُعلنة حسّيّة اللسان العربي وبقاء أصله ثابتاً، يتطوّر فطرياً دون انكفاء أو جمود.
ويتوافق هذا التأصيل الأنطولوجي البديع مع الطرح الفلسفي لإدوارد سعيد في دراساته حول الهوية والخطاب البشري، حيث يؤصل لكون "المحكيات والمأثورات الشفهية اليومية" هي الحصون الأنثروبولوجية التي تقاوم عواصف الحداثة وتصون السردية التاريخية للجماعات البشرية من التلاشي. وهي ذاتها الرؤية التي تبنتها توصيات "مؤتمر الفنون الشفهية والتراث الثقافي غير المادي بسلطنة عُمان"، حيث شددت أوراق العمل الأكاديمية على أنّ لغة المجالس والمنطوق العفوي في ربوع الوطن والخليج تمثل وثائقَ حيةً تحفظ جينات اللسان الفصيح وقِيَم الرّزانة والهيبة المشتركة بروح نقاء العصر وهدوئه.
* المقال من سلسلة فكرية: حِسّ اللسان العربي وعراقة اللهجة العُمانية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z