صبحي حسن
في كتاب «الحب السائل»، يكشف زيغمونت باومان عالم الاجتماع البولندي (1925- 2017) كيف غيرت ثقافة الاستهلاك مفهوم الحب والصداقة، وجعلت الروابط الإنسانية أكثر هشاشة وأقل استقرارا. والسؤال الذي يطرح، هل علاقاتنا حقيقية أم أننا نبحث عمّن يمكن استبداله بسهولة؟
نشر باومان ما يقارب 75 كتابا وأكثر من 100 مقال. كما كتب سلسلة من ثمانية كتب عن السيولة: الحداثة السائلة، الحياة السائلة، الأزمنة السائلة، الثقافة السائلة، الخوف السائل، الحب السائل، الشر السائل، والمراقبة السائلة.
تتحدث أغلب كتاباته عن مواضيع العولمة، والحداثة وما بعد الحداثة، والمادية (الاستهلاكية)، والنظام الأخلاقي. وبسبب الأوضاع غير المستقرة في بولندا آنذاك، كان على باومان أن يتخلى عن جنسيته البولندية حتى يستطيع الخروج من بلده؛ فذهب إلى إسرائيل ليُدرّس في جامعة تل أبيب، وخرج منها بعد ثلاث سنوات وغادرها إلى لندن؛ حيث استقر فيها. وفي مقابلة له عام 2011 مع مجلة «بوليتكا» البولندية، انتقد باومان إسرائيل وقال إنها لم تكن مُهتمة إطلاقًا بالسلام، بل كانت تستخدم الهولوكوست كعذر لشرعنة أفعالها المتوحشة.
يتناول كتابه الحب السائل، عن العلاقات الاجتماعية فيقول، إن عالمنا اليوم صار الاستهلاك فيه يشمل حتى العلاقات فيما بيننا، فقد تنتهي بكبسة زر لحظرها (Block) تماماً كما ترجع سلعة لا تعجبك إلى المتجر. مشاعرك تتحول إلى "ستوري" (قصة) تقاس صحتها وروعتها بعدد المشاهدات، صداقاتنا صارت تقاس بعدد المتابعين لا بقيمة الصداقة ذاتها.
يرى باومان أن الاستهلاك تجاوز السلعة المادية إلى العواطف والعلاقات الإنسانية، فيصف كيف صرنا نعتمد في إنشاء علاقات فضفاضة تنفضُّ بأقل جهد ممكن حين نجد بديلا.
هذا الاستهلاك النهم للتواصل الرقمي، يجعلنا كما يقول، مراقبين باستمرار، لينتج ما يسميه الخوف السائل، والقلق الدائم، مما يخبئه الغد. وحين يذوب الشعور بالمسؤولية تجاه الآخر، يصبح تبرير اللوم مع الآخرين سهلا.
يدعو باومان إلى مقاومة السيولة بروابط ثابته، كما يدعو إلى وعي بما سيفعله الاستهلاك النهم بعلاقاتنا ومشاعرنا حين نتعامل معهما دون تأمل. ويضيف ربما تبدأ المقاومة بسؤال بسيط: قبل أي علاقة او تواصل كتابي او مباشر، هل أتعامل مع الشخص كإنسان أم كسلعة؟
لقد أصبحت علاقاتنا الاجتماعية والأسرية على المحك، نتعامل معهما كأدوات ميكانيكية لا روح فيها ولا مشاعر.
ما نلاحظه في حياتنا هو في غاية الخطورة، وخطورتها تكمن في عدم شعورنا بذلك لأنها أصبحت جزءا من ثقافتنا ووعينا. فعندما تكون هناك هبة موسمية لتسويق العواطف تتحول المناسبات الإنسانية والأسرية (كعيد الأم أو ذكرى الزواج أو عيد الميلاد) إلى مواسم لبيع المنتجات، وكأن التعبير عن الحب مرتبط بشراء هدية. وهذا ينطبق أيضا على أعيادنا الدينية كعيد الفطر والأضحى المباركيْن.
وهناك اقتصاد جر الانتباه، أصبحت فيه العواطف (الحزن، التعاطف، الفرح، أو حتى الغضب) تُستغل لجذب المتابعين والإعجابات، فيُقاس التفاعل الرقمي بقيمة الشخص وليس المحتوى.
وهناك الاستهلاك العاطفي؛ حيث تقوم بعض الشركات بتصميم منتجات وخدمات تخاطب "الحنين" أو "الوحدة" أو "الرغبة في الانتماء"، بحيث يشتري الشخص شعورًا مؤقتًا بالرضا عبر إقتناء سلعة ثم برميها في سلة المهملات.
وهناك علاقات المصلحة، او كما تسمى علاقات الترانزيت؛ حيث تنتهي فور انتهاء المنفعة أو الخدمات المتبادلة ويتم رميها جانبا.
وثمَّة علاقة يمكن تسميتها بالتكافؤ المادي الصرف بحيث يتم اختيارا الأصدقاء من طبقة اقتصادية أو مهنية معينة، لخدمة أهداف تسويقية، أو وظيفية بما يُعرف بالـ Networking (شبكة العلاقات) المبالغ فيها، يضع الشخص لنفسه فيها، سياجا وحائطا أمام بقية شرائح المجتمع الإنساني.
ناهيك عن تسعير المشاعر بما يقدم إليهم من الدعم المعنوي أو بظاهرة الإنصات أو الفضفضة، كثمن لخدمات مدفوعة أو مشروطة إما بمقابل مادي أو عيني، بدلًا من أن يكون نابعًا من التضامن والحب والشفقة الإنساني.
بذلك تتحول الروابط الإنسانية القائمة على المودة والدعم والتعاطف، إلى "صفقات تتبادل فيها المصالح" المادية أو المعنوية، فيُقاس الشخص فيها بقيمته النفعية وما يمكنه تقديمه من مكاسب.
إن الآثار النفسية والاجتماعية المترتبة بهكذا علاقات، قد تؤدي إلى الشعور بالوحدة والفراغ العاطفي، والاضطرار لارتداء أقنعة لإرضاء الآخرين، الذي يؤدي في النهاية الى تفكيك النسيج الاجتماعي، وتحويل المجتمع إلى مجموعة من الأفراد المتنافسين بدلا من أن يكونوا متعاونين إن تحويل اللحظات الصادقة إلى محتوى إستهلاكي سريع يُعرض للجميع، وفقدان العمق الاجتماعي الفطري الأصيل، يجعله مجردا من المشاعر ودفئها الحقيقي.
المشاعر الحقيقية لا تُباع ولا تُشترى، ولا تحتاج إلى إعلان أو تسويق أو أن تعرض على فاترينات المحلات التجارية أو المولات، بل هي قيمة روحية تُبنى بالمواقف الصادقة والاهتمام الحقيقي المشترك، بعيدًا عن صخب السوق والتسليع والبهرجة.
نحن بحاجة إلى إعادة بناء علاقاتنا على أساس الجودة ومدى عمقها النفسي، بدلا من الروابط السطحية، وأن نتواصل مع بعضنا بلا مصلحة أو حاجة، ووضع حدود واضحة بين علاقات المنفعة والصداقات الحقيقية، التي تبحث عن الشعور الصادق والمحبة والأمان، وأن نحب في الله ونبغض فى الله؛ فالإنسان ليس منتجًا، والصداقة ليست سوقًا. والقيم الإنسانية كالوفاء والصدق والتعاطف هي الوعاء الحقيقي للروابط، وبدونها تصبح العلاقات مجرد عقود مؤقتة خالية من الروح والمحتوي.
