حب الوطن لا يقاس بالإساءة إلى الآخرين

 

محمد بن حمد البادي

[email protected]

 

منذ القدم؛ وفي منطقة جغرافية ملتهبة بالصراعات، تتنازعها المصالح وتتوالى فيها الأزمات، اختارت سلطنة عُمان- قبلة السلام- أن يكون الحوار واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها مرتكزات لسياستها الخارجية، متمسكة بحق الشعوب في تقرير مصيرها، واليوم؛ في ظل العهد المتجدد لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- لا زالت السلطنة تواصل نهج الاعتدال وحسن الجوار وبناء الثقة.

لكن كيف نحمي هذا الرصيد الأخلاقي والقيمي من خطاب رقمي منفعل قد يسيء إلى الآخرين ويضر بالمصالح الوطنية؟

إنَّ خصوصية التجربة العُمانية لا تنبع من مواقف دبلوماسية فحسب، ولم تكن يوما وليدة ردود أفعال لانفعالات طائشة، بل هي مستمدة من إرث حضاري واجتماعي أصيل؛ ضارب بجذوره في أعماق التاريخ، قائم على مرتكزات ودعائم راسخة، تتمثل في التواصل والتعايش والانفتاح مع الآخرين، وهذه القيم مسؤولية يجب أن تتجسد في سلوك كل مواطن يعيش على هذه الأرض الطيبة، وفي ما يكتبه عبر المنصات الرقمية، فالاعتزاز بالهوية لا يستدعي الانتقاص من الآخرين، والولاء للوطن لا يقاس بحدة العبارات، وإنما بمدى اتساق المواقف مع أخلاق المجتمع ومصالحه.

واليوم؛ في عالمٍ رقميٍ تتجاوز فيه المنشورات كل الحدود الجغرافية، قد لا يكون التعليق المستفز مجرد رأي عابر؛ فقد يسعى كاتبه إلى جر المجتمع العُماني إلى سجالات مفتعلة، أو استدراجه إلى خطاب الكراهية، أو توظيف انفعالاته لخدمة أجندات تستهدف إثارة الفتنة وزعزعة الاستقرار.

إن الحسابات المجهولة، وإن رفعت شعارات الوطنية وتزيّنت بالرموز التي توحي بالانتماء، لا تثبت هوية أصحابها ولا تكشف حقيقة مقاصدهم؛ ولا نواياهم، فقد تقف وراء بعضها أطراف خارجية، دون جواز الجزم بذلك بلا دليل، لذلك، يبقى التثبت من المصادر، وعدم الانسياق وراء المحتوى المشبوه أو إعادة نشره، خط الدفاع الأول عن الوعي الوطني؛ فليس كل من يرفع شعار الوطن صادقًا في خدمته، ولا كل ما ينتشر يستحق أن نمنحه مزيدًا من التفاعل والاهتمام.

وفي هذا السياق، يأتي بيان النيابة العامة الصادر قبل أيام قليلة؛ ليؤكد أهمية الحذر من الانجرار وراء المنشورات والتعليقات المسيئة، والتنبه إلى ما قد يترتب على نشرها أو إعادة تداولها من تبعات قانونية، فالإساءة إلى الدول أو شعوبها أو رموزها لا يبررها اختلاف المواقف، ولا تعد دليلا على الولاء الوطني؛ كما أن إعادة نشر المحتوى المسيء قد تعرض صاحبه للمساءلة وفق التشريعات النافذة متى توافرت أركان المخالفة، والتحذير واضح: لا تكن وسيلة لنشر محتوى يستهدف إثارة الفتنة أو النيل من كرامة الآخرين؛ تحقق من المصدر، وتريث قبل المشاركة، ولا تجعل انفعالك يخدم أجندة لا تعرف حقيقتها، فالحساب المستعار لا يمنح حصانة، والكلمة المنشورة قد تتجاوز آثارها صاحبها لتضر بالمجتمع وعلاقات السلطنة بالآخرين.

ولا يعني ذلك أن كل رأي مخالف مؤامرة، أو أن كل حساب مجهول يعمل لحساب جهة خارجية؛ فالتعميم لا يقل خطورة عن التضليل، المطلوب تفنيد النقد المشروع من الاستفزاز المتعمد، والتمييز بين الاختلاف الطبيعي ومحاولات تأجيج الانقسام.

ويمكن تعزيز هذه الحصانة بتدريب طلبة المدارس على التحقق من الأخبار، وتشجيع الأسر على مناقشة المحتوى المتداول، كما أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية مساندة هذا الوعي من خلال تيسير الوصول إلى المعلومات الرسمية، ونشر إرشادات واضحة بشأن المسؤولية الرقمية وتوضيح الفرق بين التعبير المسؤول والإساءة، وتقديم أمثلة واقعية على التحقق من الحسابات والمصادر والصور المتداولة، كما ينبغي أن تكون البيانات الرسمية واضحة وسريعة، حتى لا تترك الشائعات فراغا تملؤه التأويلات، وعلى المستخدم أن يسأل قبل التفاعل: من نشر هذا المحتوى؟ وما دليله؟ ومن المستفيد من نشره؟

وفي الختام؛ لا بُد أن يعي كل مواطن عماني أنه سفيرُ وطنه في سفره وحضوره، وعمله ودراسته، وكل ما يقوله وينشره؛ فكلمةٌ مسؤولة ترفع شأن عُمان، وأخرى متسرعة قد تشوّه صورتها النمطية؛ فعُمان التي أرست علاقاتها مع الآخرين على الاحترام المتبادل، لا يليق بأبنائها الإساءة إلى الدول أو الشعوب أو الرموز؛ فحب الوطن لا يُثبت بالتجريح، ولا يُقاس بصخب المنصات، بل بوعيٍ يرفض الاستفزاز، ومسؤوليةٍ تزن عواقب الكلمة قبل نشرها، فكن جسرًا للتفاهم لا أداةً للفتنة، واجعل خطابك دائما شاهدا على قيمك النبيلة وأخلاقك العالية التي هي دائما مضرب المثل؛ فالإساءة إلى الآخرين لا يجب ان تكون مقياساً على حب الوطن.

الأكثر قراءة

z