عُدتُ بك مُسجى في تابوت

 

نصيب بن سالم المعمري

رحيلٌ مباغت في بلاد لم ولن أنسها.. ووجعٌ لا تصفه الكلمات. لم أكن أتخيل يومًا أن يأتي ذلك الخبر الذي يقلب حياتنا رأسًا على عقب، ويترك في قلوبنا جرحًا لا يداويه الزمن، وأن أجد نفسي مضطرًا للسفر، لا لزيارة أخٍ عزيز، ولا للقائه بعد طول غياب، وإنما لاستلام جثمانه والعودة به إلى أرض الوطن مسجى في تابوت، وقد انطفأت معه صفحة من أروع صفحات حياتنا.

شعور يفوق الشعور، وألم تعجز الكلمات عن وصفه؛ أن تتلقى نبأ وفاة أخيك المفاجئة، وأن تجد نفسك أمام حقيقة يصعب على العقل استيعابها، ويعجز القلب عن النبض بها. لحظات تتكتم فيها الأنفاس، وتتزاحم فيها الأسئلة، ولا يبقى للإنسان إلا أن يسترجع ذكرياته، ويستعين بالله على مصابه، مؤمنًا بقضائه وقدره.

لم تكن الصدمة صدمتي، بل كانت صدمةً هزّت أركان أسرتي، وأوجعت قلوب كل من عرفه وأحبه وتعامل معه. فقد امتد الحزن إلى زملاء عمله، وأصدقائه، وجيرانه، وأهل قريته، وكل من جمعتهم به معرفة أو موقف أو ذكرى طيبة.

لقد كشف حجم الحزن الذي خلفه رحيله عن المكانة التي احتلها في القلوب، وعن الأثر الطيب الذي تركه في النفوس، فليس من السهل أن يغيب إنسان كان حضوره مصدر ألفة ومودة، وكانت علاقاته تواصل واحترام ومحبة.

فرحيله ترك فراغًا كبيرًا في أسرته لا يمكن أن يملأه أحد، وغيابًا نشعر بثقله في تفاصيل حياتنا اليومية، وفي مناسباتنا حلوها ومرها. فقد كان أخًا وسندًا وعونًا، حاضرًا في الأفراح كما كان حاضرًا في الأتراح، قريبًا من أهله، إلى جانبهم حين تشتد الظروف، ويسعى بما يستطيع لتخفيف أعبائهم ومساندتهم.

وما أصعب أن يتذكر الإنسان مواقف أخيه التي اعتاد وجودها، ثم يدرك أن تلك المواقف أصبحت ذكريات، وأن صوته الذي ألفناه، وأن حضوره الذي كان يمنح الشعور بالأمان والقوة قد أصبح غيابًا يوجع القلب ولن يعود.

عندها ندرك أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يملك، وإنما بما يقدمه لمن حوله، وبما يزرعه في قلوبهم من محبة، وما يتركه من أثر طيب يبقى شاهدًا عليه بعد رحيله.

وفي رحلتي لاستلام جثمان أخي، كانت المشاعر أكبر من أن تُحمل، وكانت الخطوات مثقلة بوجع الفقد. فالغربة في مثل هذه اللحظات ليست بُعد المسافة فحسب، بل هي قسوة أن تكون بعيدًا عن أرض الوطن وأهلك وبعيدا عن قرب من هو مسجى في تابوت، وأنت تواجه حقيقة رحيل إنسان عزيز، وتتمنى لو أن ما حدث لم يكن إلا حلمًا عابرًا، تستيقظ منه لتجده بين أهله وأحبته من جديد.

لكنها سُنَّة الحياة التي لا تتبدل، وحقيقة الموت التي لا يستثنى منها أحد. وكل ما نملكه أمام هذا المصاب هو الإيمان بقضاء الله وقدره، والرضا بحكمه، والتمسك بالدعاء، واستحضار أن لقاء الدنيا مهما طال فلا بد أن ينتهي، وأن الأمل يبقى في لقاء آخر، في دار لا فراق فيها ولا أحزان، بإذن الله تعالى.

وإن كان رحيله قد أخذ من قلوبنا جزءًا عزيزًا، فإن عزاءنا أن الله أرحم به منا، وأن رحمته أوسع من حزننا، وأن ما عنده خير وأبقى.

إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z