منصة تجاوب.. تجاوب!

 

 

 

مرفت بنت عبدالعزيز العريمي

 

في زاوية منزوية عند مدخل المؤسسة، يقف على استحياء، وكأنَّه هو نفسه لا يعلم لماذا تمَّ وضعه هناك! لا أحد يتوقف عنده إلا نادرًا، ولا أذكر أني شاهدت أحدًا يفتحه أو يزيل عنه غبار السنين، لكنه رغم ذلك ما زال واقفًا شامخًا ومتفائلًا، لعلَّ وعسى أن يتذكره أحد ذات يوم، فيستخرج ما في جعبته من أفكار وملاحظات ويأخذها محمل الجد.

قد يكون اسمه هو السبب في نفور الناس وفجوتهم عنه: "صندوق الشكاوى والمقترحات". وكان الأجدر والأنسب أن يُسمى "صندوق الأفكار"؛ فهذا الاسم وحده كفيل بأن يجذب كل باحث عن حل، أو كل من لديه فكرة يحب أن ينفع بها المؤسسة ويطور بها الأداء. ومن هذا الصندوق الصامت، نلتفت إلى تجارب عالمية عرفت قيمة ما يخبئه؛ ففي وقت صعب من تاريخ شركة "ليجو" العالمية للألعاب، عندما كانت الديون تحاصرها، لم تذهب للاستعانة بشركات استشارية كبرى من الخارج، بل التفتت إلى جمهورها البسيط؛ إلى أولئك الذين يحبون ألعابها ويعيشون معها كل يوم. فتحت لهم الأبواب عبر "صندوق أفكار رقمي"، وكانت المفاجأة أن تلك المقترحات البسيطة أصبحت طوق النجاة الذي أعاد الشركة للقمة وحقق لها أرباحًا بالملايين. وفي نفس الطريق، لم تكن شركة "DHL" للشحن لتنجح في تطوير خدماتها وسرعة توصيلها، لولا أنها جلست مع زبائنها واستمعت للمشاكل التي يواجهونها يوميًا وجعلت حلولهم وأفكارهم أساسًا لتطوير العمل.

هذه التجارب الحيَّة تؤكد يقينًا أن أصوات الناس ومقترحاتهم ليست عبئًا ولا مجرد أوراق تُثقل كاهل المسؤول، بل هي "كنز مجاني" ثمين، وحلقة وصل حقيقية لا غنى عنها إذا أردنا بحق أن نطور أداء مؤسساتنا ونرتقي بخدماتنا.

ولكن، المحزن في واقع الكثير من مؤسساتنا اليوم هو أننا نغفل هذا الصوت القريب منَّا؛ نتعمد الصمت أمام أفكار وملاحظات المتعامل والمراجع والزبون؛ فنظل ندور في فلك الأداء التقليدي الرتيب دون أي تطور ملموس. وفي المقابل، نركض بكل شغف وراء بيوت خبرة خلف المحيطات، ونستورد بمبالغ طائلة حلولًا وقوالب جاهزة وُضعت لمجتمعات أخرى تختلف عنَّا تمامًا.

إننا ننسى، أو نتناسى، أن لكل مجتمع خصوصيته وثقافته وعاداته التي تؤثر في نجاح أي خدمة أو فشلها؛ فالأفكار التي نجحت في مجتمعات أخرى قد لا تنجح هنا، لأنها لا تشبه إنساننا ولا تلامس طبيعة حياته، بينما يكمن الحل الحقيقي في عقول المستفيدين أنفسهم الذين يعيشون التجربة اليومية بكل تفاصيلها ويقدمون رأيهم بكل عفوية وتجرد.

ومع التطور الرقمي الذي نعيشه، خطا واقعنا العُماني خطوة جبارة في إعادة ابتكار هذا الصندوق المنسي، وتجلى ذلك بوضوح في تدشين منصة "تجاوب" الرقمية الموحدة المرتبطة بالجهات الحكومية؛ حيث إن استقبال المنصة لعشرات الآلاف من المقترحات والشكاوى يعكس بوضوح رغبة الشارع العُماني الجارفة في أن يكون شريكًا حقيقيًا في البناء والتنمية.

غير أن هذا التحول الرقمي الجسور يضعنا أمام وقفة صدق مع واقع التطوير؛ فالرقمنة ليست مجرد أرقام تُغلق وطلبات تُقيد تقنيًا في مدد زمنية محددة، بل هي أثر ملموس يغير حياة البشر. والعيب الأبرز الذي يتسلل خلف شاشات المنصة اليوم هو تلك المسافة الشاسعة بين "سرعة الرد الإداري" و"كفاءة الحل الفعلي"؛ حيث يرتطم المستفيد أحيانًا بـ"مُسكِّنات رقمية" روتينية تُغلق الطلب تلقائيًا دون معالجة حقيقية للمشكلة، في ظل غياب نظام تصعيد مرن يمنح المواطن حق الاعتراض التنموي، وضَعف الوعي بالمنصة في الولايات البعيدة، فضلًا عن خطر تحولها إلى جدار إلكتروني عازل يُنسي المسؤول روح الخدمة الميدانية وتلمس معاناة الناس على أرض الواقع.

ولكي لا تقع "منصة تجاوب" في فخ الترهُّل الرقمي، ولكي تتكامل بذكاء مع الحراك المجتمعي المباشر الذي نشهده في ملتقيات معًا نتقدم بالمحافظات، نحن بحاجة ماسة لخطوات عملية واضحة؛ فالأدوات الرقمية والملتقيات تظل بلا روح، ما لم نُسند مهمة فرزها ومتابعتها إلى عقول مخلصة وماهرة تمتلك القدرة على حل المشكلات وتطوير الأداء.

لذلك فمن الضروري إنشاء "مختبرات فرز" مستقلة للتقييم، تضم كوادر مؤهلة لا تكتفي بفرز المعاملات إلكترونيًا، بل تمتلك الحنكة لقراءة ما بين السطور، وتحويل الشكوى العفوية أو المقترح البسيط القادم من مواطن في ولاية بعيدة، إلى قرارات وسياسات تنموية تخدم المصلحة العامة وتستأصل الخلل من جذوره.

وحتى تكتمل الصورة فإن إطلاق نافذة "أثر فكرتك" وهي قناة اتصال عكسية رقمية، تُخبر المواطن بكل شفافية ومصداقية بأن "فكرتك تم تبنيها وهي الآن قيد التنفيذ في الجهة الفلانية". هذه الخطوة هي ما يضمن قياس الرضا الفعلي، ويبني جسور الثقة، ويعيد الأمل للناس بأن أصواتهم مسموعة وذات قيمة.

إنَّ الإنصات للناس وتحويل الصندوق المنسي إلى نافذة أفكار حية، هو اعتراف صريح بأن "أهل مكة أدرى بشعابها"، وهو الجوهر الحقيقي للشراكة بين الحكومة والمجتمع. وتحويل هذا الكنز المجاني من الأفكار إلى واقع ملموس لا يحتاج لبيوت خبرة أجنبية، بل يحتاج فقط لإرادة واعية تثق في ابن الوطن، وتضع هذه الأمانة في أيدي كوادر وطنية مُؤهلة تدرك كيف تصنع من الكلمة الطيبة فكرة، ومن الفكرة البسيطة واقعًا جميلًا يُواكب العصر ويخدم الإنسان العُماني بخصوصيته وهويته الأصيلة.

الأكثر قراءة

z