حسين الراوي
بعض الكتب لا تصل إلينا عن طريق المكتبات أو الإعلانات، بل تأتي من حكاية إنسان، ومن ذاكرة موجوعة، ومن صداقة تفتح لنا بابًا لم نكن نعرف ما الذي ينتظرنا خلفه. وهذا ما حدث معي عندما دلتني صديقتي الأوكرانية ( آنا )على كتاب يوثق تجربة جندي أوكراني عاش الأسر الروسي، فوجدت نفسي أمام صفحات لا تتحدث عن الحرب بوصفها أرقامًا وخرائط ومعارك فحسب، بل تكشف جانبًا من المعاناة الإنسانية التي تتركها الحروب في حياة الجنود وأسرهم.
الكتاب الذي حدثتني عنه آنا هو «Jingle bellZ. Документальний щоденник»، وهو يوميات وثائقية للجندي الأوكراني أليكسي أنوليا، الذي عاش تجربة الأسر لدى القوات الروسية. وقد استوقفني عنوان الكتاب، بما يحمله من إحالة إلى أغنية «Jingle Bells»، وهي أغنية ترتبط في الذاكرة العامة بأجواء الأعياد والفرح، بينما تقودنا هنا إلى عالم مختلف تمامًا؛ عالم الأسر والعزلة والخوف، حيث تتحول حتى الذكريات البسيطة إلى وسيلة يتمسك بها الإنسان كي لا يفقد صلته بالحياة.
تروي تجربة أنوليا جانبًا من المعاناة التي عاشها خلال نحو عشرة أشهر من الأسر، بينها 130 يومًا قضاها في الحبس الانفرادي، وفق المعلومات المنشورة عن تجربته. والكتاب، الذي يمتد إلى 824 صفحة، ليس مجرد سرد لوقائع شخصية، بل شهادة توثيقية عن تجربة إنسان وجد نفسه في ظروف قاسية، يحاول أن يحافظ على إرادته وذاكرته وهويته في مواجهة العزلة وسوء المعاملة. فالحرب لا تختبر قدرة الإنسان على البقاء حيًا فحسب، بل تختبر أيضًا قدرته على الاحتفاظ بإنسانيته حين تحاصره القسوة من كل جانب.
غير أن علاقتي بهذه الحكاية لم تبدأ من الكتاب وحده؛ فقد عرفت صديقتي آنا منذ نحو خمس سنوات، وخلال هذه السنوات ظل التواصل بيننا قائمًا، وتحدثنا كثيرًا عن أوكرانيا والحياة والحرب وما تركته من جراح في حياة الناس. كانت آنا تتواصل معي قبل أن تضطر إلى مغادرة العاصمة كييف لاجئة، متنقلة بين عدد من الدول الأوروبية بحثًا عن الأمان، إلى أن استقر بها المقام في مدينة سيدني الأسترالية، حيث تزوجت وبدأت حياة جديدة، وأنجبت ولداً إلى جانب أخته الكبرى بولينا، التي أنجبتها من زواج سابق في أوكرانيا.
لكن الإنسان، مهما ابتعد عن وطنه، لا يستطيع أن يترك ذاكرته خلفه، ولا أن يتخلى عن الأشخاص الذين صنعوا أجمل ما فيها. وكانت آنا، في أحاديث متعددة، تعود إلى والدها، فتحدثني عن محبتها له وذكرياتها معه، وعن الرجل الذي ظل حاضرًا في وجدانها على الرغم من غيابه الطويل. لم تكن تتحدث عنه باعتباره اسمًا في سجل المفقودين، بل أبًا له مكانته في قلب ابنته، وإنسانًا له ملامحه وطباعه ومواقفه التي لا تزال تعيش معها.
والد آنا هو ميكولا أنطونوفيتش سافتشوك، المولود في 15 مايو 1967. كان يعمل ميكانيكيًا وسائقًا في فصيلة الدبابات الثالثة، ضمن سرية الدبابات الثالثة، التابعة للوحدة العسكرية الأوكرانية A2573. ووفق المعلومات التي نقلتها آنا إليّ، فقد بادر إلى التطوع للدفاع عن وطنه منذ اليوم الأول للغزو الروسي الشامل، ثم جرى تجنيده رسميًا في 25 فبراير 2022، عن طريق مركز التجنيد والدعم الاجتماعي الإقليمي في بيلا تسيركفا، بمنطقة كييف.
وتروي آنا أن والدها لم يستطع حبس دموعه وهو يشاهد القتال على الأراضي الأوكرانية في اليوم الأول للحرب، متألمًا لمقتل الشباب وسقوط الضحايا. كان رجلًا وطنيًا، محبًا للتاريخ، معتزًا بلغته الأم، وحين رأى بلاده تتعرض للغزو، لم يكتفِ بمشاهدة المأساة من بعيد، بل حمل السلاح دفاعًا عن وطنه وأبنائه.
وفي أواخر مارس 2022، اختفى والد آنا في واحدة من أكثر المراحل قسوة في معارك منطقة خاركيف. ووفق التفاصيل التي نقلتها ابنته، فقد وقع في الأسر مع طاقم الدبابة التي تحمل الرقم 527، بالقرب من قرية مالا كوميشوفاخا، في محيط مدينة إزيوم، خلال المعارك التي امتدت بين 28 مارس والأول من أبريل 2022. وتشير المعلومات التي نقلتها آنا عن تقرير تحقيق إداري رسمي إلى أن أفراد طاقم الدبابة قُتلوا. ومع ذلك، فإن مصير والدها، كما تعيشه ابنته وترويه لي، لا يزال مرتبطًا بانتظار معرفة الحقيقة النهائية؛ ولا تتوافر لديّ معلومات مستقلة كافية للجزم بما إذا كان قد جرى التعرف إلى رفاته أو حُسم مصيره بصورة نهائية.
وهنا تبدأ حكاية أخرى لا تقل إيلامًا عن حكاية الجندي الأسير الذي قادني الكتاب إلى التعرف إلى تجربته؛ إنها حكاية ابنة تنتظر أباها، وتحاول أن تتعايش مع غياب يطول، فيما يظل قلبها متعلقًا باحتمال أن تكون المعلومات التي وصلتها خاطئة.
كانت آنا تتواصل مع عدد من أصدقاء والدها، وكانت تجد في الحديث معهم راحة خاصة؛ فهم يعرفونه ويتذكرونه، ويستعيدون أمامها مواقف وأحداثًا تعيد إليها شيئًا من حضوره. وربما لا يدرك المرء قيمة هذه الأحاديث إلا حين يفقد شخصًا عزيزًا؛ عندها تصبح ذكرى صغيرة، أو حكاية يرويها صديق، أو موقف يستعيده أحد المعارف، أشبه بخيط يصل الماضي بالحاضر، ويمنح الغائب مكانًا حيًا في ذاكرة من يحبونه.
وعلى الرغم من طول الغياب وما يحيط بمصير والدها من معلومات مؤلمة، فإن آنا لا تزال تتمنى أن يكون ما حدث خطأً في المعلومات، وأن تظهر الحقيقة يومًا بصورة مختلفة، فتجد ما يبدد هذا الانتظار. إنها أمنية قد تبدو بعيدة أمام ما ورد في التقارير، لكنها مفهومة في قلب ابنة لا تريد أن تتخلى عن آخر مساحة من الأمل. فحين يكون الغائب أبًا، لا يصبح الانتظار مجرد حساب للأيام والسنوات، بل يتحول إلى حالة يعيش فيها الإنسان بين ما يخشاه وما يتمنى، بين الوقائع التي يسمعها والصوت الداخلي الذي يهمس له بأن هناك احتمالًا آخر.
وقد تحدثت آنا أيضًا عن مأساة مدينة إزيوم، وعن ضرورة قراءة ما جرى فيها بعد الاحتلال الروسي. ففي سبتمبر 2022، وبعد استعادة القوات الأوكرانية السيطرة على المدينة، كُشف عن موقع دفن جماعي أُخرجت منه 447 جثة ورفات، وفق ما أعلنته السلطات الأوكرانية آنذاك. وأفادت السلطات بوجود آثار عنف وتعذيب على عدد من الضحايا. وقد أصبحت تلك المقبرة شاهدًا مؤلمًا على حجم المأساة التي عاشها سكان المنطقة خلال الاحتلال، وعلى الأسئلة التي بقيت تنتظر التحقيق والمساءلة.
ولا يعني ذلك أن لدينا ما يثبت أن والد آنا كان من بين ضحايا ذلك الموقع؛ فلا يجوز أن نربط مصيره بمقبرة بعينها من دون دليل. لكن إزيوم بالنسبة إلى آنا ليست مجرد اسم على خريطة أو مدينة شهدت معارك عسكرية، بل منطقة ترتبط بالأيام التي اختفى فيها والدها، وبذاكرة الحرب التي لا تزال تحاول فهمها، وبأسئلة لم تجد لها إجابات شافية حتى الآن. وقد نقلت إليّ أيضًا ما سمعته عن قسوة الانتهاكات التي شهدتها المنطقة، بما فيها روايات عن ضحايا تعرضوا للتعذيب؛ وهي تفاصيل تستدعي التوثيق والتحقق، لا الاكتفاء بتداولها من دون إسناد.
إن أكثر ما يلفتني في حكاية آنا أن الحياة مضت بها إلى مكان بعيد عن كييف، وأنها أسست أسرة جديدة وأصبحت أمًا، لكن ذلك كله لم يُنهِ انتظارها، ولم يطفئ محبتها لوالدها. فالهجرة قد تمنح الإنسان فرصة للنجاة من الخطر، لكنها لا تمنحه القدرة على مغادرة ذكرياته متى شاء. وقد تتغير المدن واللغات والبيوت، غير أن هناك أشخاصًا يظلون جزءًا ثابتًا من داخلنا، لا تُبعدهم المسافات ولا يطويهم الزمن بسهولة.
ولعل هذا ما جعلني أنظر إلى كتاب أليكسي أنوليا من زاوية أوسع. فقد بدأت الحكاية بكتاب عن جندي أوكراني عاش الأسر، لكنني وجدت خلفه حكاية صديقتي آنا، التي تقودني ذكرياتها إلى رجل حمل السلاح دفاعًا عن وطنه، ثم غاب عن أسرته في ظروف الحرب. بين الجندي الذي يروي تجربة الأسر، والأب الذي تنتظر ابنته معرفة مصيره، تتجلى وجوه متعددة لمأساة واحدة؛ مأساة لا تنتهي عند توقف إطلاق النار، لأنها تستمر في ذاكرة من نجوا، وفي حياة العائلات التي تبحث عن أبنائها، وفي قلوب الذين لا يزالون ينتظرون خبرًا يضع حدًا للغياب.
إن الكتب التي توثق الحروب ليست صفحات تُقرأ ثم تُطوى، بل شهادات تحفظ ما قد يحاول الزمن أن يطمسه، وتمنح أصواتًا عانت طويلًا فرصة لأن تصل إلى الآخرين. وربما كانت قيمة كتاب أنوليا، بالنسبة إليّ، في أنه لم يفتح أمامي نافذة على تجربة الأسر وحدها، بل أعادني إلى صداقة امتدت خمس سنوات، وإلى أحاديث آنا عن أبيها، وإلى تلك الأمنية التي لا تزال تتمسك بها رغم كل شيء: أن تكون المعلومات خاطئة، وأن يكون للغياب تفسير آخر.
وهكذا أدركت أن بعض الكتب لا تنتهي حكايتها عند الصفحة الأخيرة؛ فقد تقودنا إلى أشخاص، وتكشف لنا جراحًا لم نكن نعرف عمقها، وتجعلنا نفهم أن وراء كل اسم في قوائم المفقودين أسرة تنتظر، وذكريات لا تموت، وإنسانًا لا يزال له مكان في قلب أحدهم.
وربما كان هذا هو المعنى الأعمق للكتابة عن الحرب: ألا نكتفي بتسجيل ما جرى في ساحاتها، بل أن نصغي أيضًا إلى الذين يحملون آثارها في حياتهم اليومية، وإلى الآباء الذين غابوا، والبنات اللواتي ينتظرن، والأمهات والأبناء الذين يحاولون أن يحافظوا على ذكريات أحبائهم من النسيان. فالحرب قد تغيّب الإنسان عن عيون أسرته، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمحو مكانه من ذاكرتهم.
