ناصر بن سلطان العموري
لم يعد حديث المواطن عن ارتفاع الأسعار مجرد شكوى عابرة من غلاء سلعة أو زيادة فاتورة، بل أصبح سؤالًا يرتبط بقدرته على تلبية احتياجات أسرته والوفاء بالتزاماته الشهرية فحين ترتفع الأسعار، تبقى الرواتب والمنافع على حالها وعندها تتسع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة، ويصبح تدبير ميزانية الأسرة تحديًا يوميًا وَهْمٌ مُزْمِنٌ.
وتأتي المؤشرات الأخيرة لتضع هذه المسألة في دائرة الاهتمام؛ إذ بلغ معدل التضخم السنوي في سلطنة عُمان 3.2% خلال سبتمبر 2026، فيما بلغ متوسطه خلال الأشهر التسعة الأولى من العام نحو 3%. وسجلت أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية ارتفاعًا بنسبة 8%، والنقل بنسبة 4.8%، فيما ارتفعت أسعار الخضراوات بنسبة 20.1% والفواكه بنسبة 16.3% وهي أرقام تنعكس مباشرة على مشتريات الأسرة واحتياجاتها اليومية.
ولا تقف الأعباء عند ارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى الضرائب المفروضة على بعض السلع والخدمات، ومنها ضريبة القيمة المضافة بنسبة أساسية تبلغ 5% ورغم أهمية الإيرادات الضريبية في دعم الاستدامة المالية، فإن أثرها، إلى جانب ارتفاع تكاليف الغذاء والنقل والخدمات، يستحق أن يؤخذ في الحسبان عند تقييم القدرة الشرائية للمواطن؛ فالعبرة ليست بما يتقاضاه من راتب فحسب، بل بما يستطيع هذا الراتب توفيره من احتياجات.
ورغم تراجع معدل التضخم من 3.4% في أغسطس إلى 3.2% في سبتمبر، فإن ذلك لا يعني انخفاض الأسعار، بل تباطؤ وتيرة ارتفاعها. وهنا يبرز السؤال: ألا تستدعي هذه المتغيرات دراسة جادة لمراجعة الرواتب والأجور بما يساعد على الحفاظ على القوة الشرائية للدخل؟ فالمطالبة بالزيادة ليست دعوة إلى قرارات غير محسوبة، وإنما إلى دراسة توازن بين مستويات الدخل وتكاليف المعيشة وإمكانات الدولة.
ولا ينبغي أن يقتصر النقاش على الموظفين، بل يجب أن يمتد إلى المتقاعدين الذين يعتمدون على معاشات ثابتة لتغطية احتياجاتهم؛ فالتقاعد لا يعني توقف متطلبات الحياة، بل قد تزداد الأعباء الصحية والمعيشية مع تقدم العمر ومن هنا، تبرز أهمية دراسة زيادة المعاشات أو وضع آلية لمراجعتها دوريًا بما يراعي التضخم، تقديرًا لسنوات العطاء التي قضاها المتقاعدون في خدمة الوطن. كما تستحق أوضاع الباحثين عن عمل والفئات الأكثر احتياجًا اهتمامًا أكبر، من خلال تطوير المنافع الاجتماعية وتعزيز البرامج المساندة، وفق معايير واضحة تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه.
ومع تداول أنباء عن انتهاء خطة التوازن المالي، يبرز تساؤل مهم: هل تشهد المرحلة المقبلة انتقالًا تدريجيًا نحو تعزيز انعكاس نتائج الاستقرار المالي على مستوى معيشة المواطنين؟ صحيحٌ أن انتهاء الخطة لا يعني بالضرورة توافر موارد كافية لزيادات شاملة، لكن ذلك لا يمنع من إعادة تقييم الأولويات والبحث عن حلول تدريجية ومستدامة.
إنَّ المطلوب ليس إطلاق وعود براقة بزيادات لا تستند إلى حسابات واقعية، بل فتح نقاش جاد حول مراجعة الرواتب والمعاشات والمنافع الاجتماعية، بالتوازي مع مراقبة الأسواق والحد من الممارسات التي ترفع الأسعار دون مبرر.
فإذا كان ضبط الإنفاق ضرورة في مرحلة سابقة، أليس من حق المواطن والمتقاعد أن يتطلعا إلى مرحلة يشعران فيها بثمار الاستقرار المالي؟ فالتنمية لا تكتمل بتحسن المؤشرات، بل حين ينعكس هذا التحسن على حياة الناس، ويصبح دخلهم أكثر قدرة على مواجهة تكاليف المعيشة بكرامة واستقرار.
