حيدر بن عبدالرضا اللواتي
تزداد التحويلات المالية السنوية للعمالة الوافدة العاملة في دول مجلس التعاون الخليجي عامًا بعد عام نتيجة لزيادة أعداد هذه العمالة. ويرى البعض أن هذه العمالة تقف عائقًا أمام إحلال العمالة الوطنية بالرغم من خطط الحكومات التي تعمل على تدريب وتأهيل الكوادر الوطنية الجامعية وفي مختلف المستويات لتحقيق ذلك الأمر. ولكن في جميع الحالات تعكس هذه التحويلات في جانب منها قوة النشاط الاقتصادي الخليجي وحاجته إلى الأيدي العاملة.
لقد أصبحت العمالة الوافدة جزءًا أساسيًا من التركيبة الاقتصادية والاجتماعية لدول مجلس التعاون منذ عدة عقود مضت. والكل لا ينكر مساهمة هذه العمالة منذ السبعينيات من القرن الماضي في تنفيذ مشروعات البنية الأساسية، وتوسيع القطاعات الإنتاجية والخدمية، ودعم مسيرة التنمية الاقتصادية بدول المجلس، ولكن تبرز اليوم قضية التحويلات المالية بقوة والتي لا تقل أهميتها، خاصة في مثل هذه الظروف التي تبحث عنها العمالة الوطنية الخليجية موطأ قدم للعمل في دولهم. ولا شك أن لهذه التحويلات تأثير كبير على الاقتصادات الخليجية، كما أنها تؤثر في خطط توطين الوظائف وإحلال المواطنين محل العمالة الأجنبية.
وتكشف أحدث بيانات المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون أن تحويلات العاملين إلى الخارج من دول المجلس بلغت في عام 2025 نحو 161 مليار دولار، بزيادة بلغت 13.6% مقارنة بعام 2024، لتصل إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق. كما مثلت التحويلات نحو 6.6% من الناتج المحلي الإجمالي لدول المجلس مجتمعة. وتأتي دولة الإمارات في المرتبة الأولى من حيث حجم هذه التحويلات وبواقع 62.1 مليار دولار، تليها السعودية بنحو 58 مليار دولار، أي أن الدولتين تستحوذان معًا على قرابة ثلاثة أرباع التحويلات الخليجية. وبقية التحويلات تأتي من الدول الخليجية الأخرى، منها نحو 9.5 مليار دولار من سلطنة عُمان، حيث تشكّل نحو 8.7% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة ليست ببسيطة؛ الأمر الذي يتطلب توفير مزيد من الأعمال للعمالة الوطنية لملء الشواغر في المؤسسات والشركات العُمانية للحد من هذه التحويلات. وهذا لا يعني بأن جميع المُكتسبات المالية للعمالة الوافدة يتم تحويلها للخارج، ولكن هناك جزء صغير منها يبقى في البلدان الخليجية الذي يتم صرفه من خلال عملية الانفاق داخل الدولة المضيفة على السكن والغذاء والنقل والاتصالات والخدمات والتجارة، الأمر الذي يساهم في تنشيط الأسواق المحلية.
وإذا استقرت الأحوال بدول المجلس بعد الانتهاء من هذه الحرب الدائرة التي أشعلتها أمريكا مع ربيبتها الدولة الصهيونية على إيران، فإن جميع الدول الخليجية سوف تحتاج إلى مزيد من العمالة الوطنية والأجنبية لإعادة بناء مشاريع البنية التحتية وتعزيز مجالات العمل في قطاعات التجارة والخدمات واللوجستيات وغيرها.
والبيانات الاحصائية للمركز الإحصائي الخليجي تشير إلى أن إجمالي عدد العاملين الوافدين بدول المجلس بلغ نحو 35 مليون أجنبي، من إجمالي عدد السكان الذي يتجاوز 62 مليون نسمة؛ أي أن الأجانب يمثلون أكثر من نصف السكان في المجموعة، ما يوضح الحجم الكبير للدور الذي تؤديه العمالة الوافدة في سوق العمل الخليجي. وقد ارتفع حجم القوى العاملة الوافدة خلال السنتين الماضيتين نتيجة للتوسع في الأنشطة الاقتصادية والمشروعات الجديدة في جميع القطاعات الاقتصادية، وهي قطاعات تحتاج إلى أعداد كبيرة من العاملين بمختلف مستويات المهارة، فيما تتجه بعض الاقتصادات الخليجية وبقوة نحو تنويع مصادر الدخل بعيدًا عن النفط، وهو ما يتطلب عمالة إضافية في مجالات جديدة، مثل السياحة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية والصناعات التحويلية والطاقة المتجددة والاقتصاد الرقمي.
ومقابل هذا الأمر علينا معرفة المشكلة التي تبدأ عندما يتحول الاعتماد على العمالة الوافدة من حاجة اقتصادية مؤقتة أو متخصصة إلى نموذج دائم يعتمد على العمالة منخفضة التكلفة. ويرى البعض أنه عندما تستطيع مؤسسة ما توظيف عامل وافد بأجر منخفض نسبيًا، دون الاستثمار في تدريب المواطن وتأهيله، فقد لا يكون لديها الحافز الكافي لتطوير مهارات القوى العاملة الوطنية. وهنا تتقاطع قضية العمالة الوافدة مباشرة مع برامج التوطين والاحلال بجميع دول المجلس.
والمؤسسات التجارية بدول المجلس تعترف بأنها بحاجة إلى العمالة الوافدة المتخصصة في الكثير من الأعمال الفنية التي لا تتوافر أحيانا مع المهارات الوطنية، الأمر الذي يتطلب تدريب وتأهيل الكوادر المحلية الخليجية لتتمكن من اكتساب الخبرات والتعرف على وسائل نقلها في مجالات التكنولوجيا والمعرفة وغيرها حتى تتمكن المؤسسات من قبولها وتشغيلها، الأمر الذي يتطلب الإسراع في بناء قوة عمل وطنية منتجة وقادرة على المنافسة، وإحلال المهارة والإنتاجية الوطنية وزيادة القيمة المضافة لها وعدم الاعتماد المفرط على العمالة منخفضة التكلفة. وهذا لا يتم إلا من خلال رفع إنتاجية المواطن من خلال التعليم الفني والمهني والتدريب المستمر وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل.
