الطليعة الشحرية
لطالما ارتبطت الهجرة من الريف إلى المدينة في الوعي التنموي الحديث بفكرة التقدم الاقتصادي والاجتماعي؛ فالمدينة توفر فرص العمل والتعليم والخدمات والأسواق، بينما ظلت القرية، في كثير من المجتمعات، مرتبطة بالأنشطة التقليدية ومحدودية الخيارات المهنية، ومع تسارع التحولات الصناعية والتكنولوجية، أصبح انتقال الشباب من القرى إلى المراكز الحضرية أحد المظاهر البارزة للتنمية الحديثة، حتى بدا وكأن ازدهار المدن لا بد أن يقابله تراجع تدريجي في الدور الاقتصادي والاجتماعي للريف. غير أن بعض التجارب الصينية خلال السنوات الأخيرة بدأت تطرح سؤالًا مختلفًا؛ هل يمكن إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والمكان، بحيث لا تصبح مغادرة القرية شرطًا لتحقيق الطموح المهني والاقتصادي؟
في المقال السابق من هذه السلسلة، تناولنا التحول الذي شهدته مناطق ريفية صينية من الاعتماد الأساسي على الزراعة التقليدية إلى اقتصادات محلية أكثر تنوعًا، تتداخل فيها الصناعات الصغيرة والسياحة والتجارة الإلكترونية والخدمات. لكن هذا التحول يظل ناقصًا إذا اقتصر قياسه على حجم الإنتاج أو عدد المشروعات؛ لأن التنمية لا تستمد استدامتها من الموارد المادية وحدها، وإنما من قدرتها على الاحتفاظ بالطاقات البشرية التي تدير النشاط الاقتصادي وتطوره وتنقل خبراته إلى الأجيال التالية. ومن هنا يصبح السؤال عن عودة الشباب إلى القرية امتدادًا طبيعيًا للسؤال عن القرية المنتجة؛ إذ لا يمكن الحديث عن اقتصاد محلي مستدام إذا كان المكان يفقد باستمرار الفئات الأكثر قدرة على الابتكار والعمل والمبادرة.
وقد شهدت الصين، منذ انطلاق إصلاحاتها الاقتصادية، واحدة من أوسع موجات الانتقال السكاني من الريف إلى المدن، مدفوعة بالتوسع الصناعي والتحولات الاقتصادية وتفاوت فرص العمل والدخل. وأسهمت العمالة القادمة من المناطق الريفية في بناء قطاعات صناعية وخدمية واسعة، لكنها تركت في المقابل تحديات اجتماعية واقتصادية داخل بعض المجتمعات المحلية، من بينها شيخوخة السكان وتراجع حضور الشباب وانفصال بعض الأسر بين أماكن العمل والإقامة ولم تكن هذه التحولات متجانسة في جميع المناطق، كما لم يكن الانتقال إلى المدن خيارًا اقتصاديًا خالصًا؛ فقد تداخلت فيه عوامل التعليم والخدمات وتوقعات المستقبل وأنماط الحياة الحديثة.
ومع تطور السياسات المرتبطة بالنهوض الريفي، برز اهتمام متزايد بإيجاد فرص اقتصادية داخل المناطق الريفية نفسها، ليس بهدف إيقاف حركة السكان أو إعادة الجميع إلى القرى، وإنما لتوسيع الخيارات المتاحة أمام الأفراد. فالتنمية المتوازنة لا تعني بالضرورة أن يبقى الإنسان في مكان ولادته، بل أن يمتلك القدرة على الاختيار بين البقاء والانتقال والعودة دون أن تكون الجغرافيا وحدها سببًا في حرمانه من الفرص ومن هذا المنظور، لا تصبح عودة الشباب هدفًا عدديًا مستقلًا، وإنما مؤشرًا يمكن أن يعكس تحسن جاذبية الاقتصاد المحلي إذا ارتبطت العودة بفرص عمل حقيقية واستقرار مهني واجتماعي.
وتقدم قرية ليزو، التابعة لمدينة ييوو في مقاطعة تشجيانغ الصينية، تجربة تستحق التأمل في العلاقة بين التنمية الريفية واستقطاب الطاقات البشرية. فالقرية الصغيرة، التي تضم نحو 336 أسرة ويُقدّر عدد سكانها بنحو 700 نسمة، استطاعت تطوير بيئة اقتصادية تضم قرابة 110 أنشطة ومشروعات محلية، واستقطبت مئات من رواد الأعمال الريفيين، بينهم شباب عادوا إلى مناطقهم وآخرون قدموا من خارجها. وتشير بيانات منشورة عن عام 2025 إلى وصول بعض مؤشرات دخل الاقتصاد الجماعي إلى نحو 4.66 مليون يوان، ومتوسط الدخل السنوي المتاح للفرد إلى ما يقارب 70 ألف يوان. غير أن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في حجمها المجرد، وإنما في دلالتها على تنوع الأنشطة الاقتصادية وقدرة القرية على جذب المبادرات والاستثمارات والمهارات، مع ضرورة التمييز بين استقطاب رواد الأعمال وعودة السكان الأصليين، وبين نمو النشاط الاقتصادي واستدامته على المدى الطويل.
ولا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن المسار الذي سبق ظهور تلك المؤشرات. فقد استفادت ليزو من جهود تحسين البيئة الريفية والبنية الأساسية التي شهدتها مقاطعة تشجيانغ، ضمن المبادرات التي انطلقت منذ عام 2003 للارتقاء بآلاف القرى وتحسين مرافقها وظروفها المعيشية. وقد شملت هذه الجهود تطوير الطرق والخدمات والمرافق العامة وتحسين المشهد العمراني والبيئي، وهو ما أسهم في تهيئة المكان لاستقبال أنشطة اقتصادية جديدة لكن تحسين البيئة المادية، على ضرورته، لم يكن كافيًا وحده لإعادة تشكيل الاقتصاد المحلي؛ إذ احتاجت القرية إلى تحويل هذه المقومات إلى فرص قابلة للاستثمار والعمل.
وفي هذا السياق، بدأت ليزو منذ عام 2017 استقطاب رواد الأعمال الشباب من خلال توفير مساحات للعمل والإنتاج، وتقديم تسهيلات ساعدت بعض المشروعات على تجاوز تكاليف التأسيس الأولية، بما في ذلك إعفاءات إيجارية وصلت في بعض الحالات إلى ثلاث سنوات. وتكشف هذه الخطوة عن تحول مهم في فهم العلاقة بين التنمية وحركة السكان؛ فالقرية لم تكتفِ بالدعوة إلى عودة الشباب أو تشجيعهم على الاستثمار، وإنما سعت إلى معالجة بعض العوائق الاقتصادية التي تجعل تأسيس مشروع في الريف أكثر صعوبة. ومن هنا أصبحت جاذبية المكان مرتبطة بما يستطيع تقديمه من فرص عملية، لا بما يحمله من قيمة عاطفية أو اجتماعية فحسب.
وتعزز هذا التوجه مع إدخال أساليب أكثر تخصصًا في إدارة الأنشطة الاقتصادية وتطوير المشروعات، وإعادة توظيف بعض المباني والمساحات القائمة لخدمة الأعمال الصغيرة والأنشطة الثقافية والسياحية. وقد ساعد ذلك على ظهور مشروعات متنوعة شملت الحرف والمنتجات المحلية والمقاهي والمطاعم والخدمات والتجارب السياحية، إلى جانب أنشطة مرتبطة بتطوير المنتجات الزراعية وتسويقها. ولم تعد القيمة الاقتصادية للمورد المحلي تتحدد ببيعه في صورته الأولية، بل بإمكان تحويله إلى منتجات وخدمات متعددة، ترتبط بالإنتاج والتصنيع والتسويق وتجربة الزائر.
غير أن أهمية هذه التجربة لا تكمن في عدد المقاهي أو المتاجر أو الأنشطة السياحية التي ظهرت داخل القرية، وإنما في التحول الذي طرأ على علاقتها بالسوق والعمل. فالقرية القريبة من مدينة ييوو، المعروفة بشبكاتها التجارية الواسعة، استطاعت الاستفادة من محيط اقتصادي يوفر فرصًا للتسويق والخدمات والتواصل مع المستهلكين والمستثمرين. وهذا العامل الجغرافي والاقتصادي ينبغي ألا يُغفل عند تفسير نجاحها؛ لأن القرية لم تنشأ في عزلة عن الأسواق، ولم تعتمد على مواردها الداخلية وحدها، بل استفادت من موقعها ضمن منظومة اقتصادية إقليمية أوسع.
وهنا يصبح التمييز ضروريًا بين القرية التي تستقبل الزوار والقرية التي تبني اقتصادًا حول قدرتها على استقبالهم. فقد أشارت تقارير منشورة عن عام 2025 إلى تجاوز عدد الزيارات السنوية لليزو 1.1 مليون زيارة، وهو مؤشر على قدرتها على جذب الحركة السياحية والتجارية، لكنه لا يمثل وحده دليلًا على الاستدامة الاقتصادية. فارتفاع أعداد الزوار قد يؤدي إلى زيادة الطلب على الخدمات، غير أن الأثر التنموي الحقيقي يتوقف على مقدار ما يبقى من هذا الإنفاق داخل المجتمع المحلي، وعلى قدرة المشروعات على توفير وظائف مستقرة وتنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على المواسم السياحية.
ويبرز في تجربة ليزو تطور آخر يتجاوز حدود القرية نفسها، يتمثل في توسيع التعاون الاقتصادي مع ثماني قرى مجاورة ضمن إطار تنموي يُعرف باسم «ليزو الكبرى». وتشير تقارير محلية إلى أن مجموع الدخل التشغيلي الجماعي للقرى التسع تجاوز 12.38 مليون يوان خلال عام 2025. ولا تعني هذه النتيجة أن القرى جميعها اتبعت النموذج الاقتصادي نفسه، بل تفتح المجال لفهم أهمية التكامل بين التجمعات الريفية، حيث يمكن أن تستفيد كل قرية من مواردها وموقعها وقدرات سكانها، مع تطوير خدمات ومشروعات مشتركة تعزز فرص النمو وتحد من تشتت الاستثمارات.
وتكشف هذه التجربة عن جانب مهم في العلاقة بين التنمية المحلية والتكامل الإقليمي؛ فليس من الضروري أن تمتلك كل قرية جميع مقومات النشاط الاقتصادي أو أن تتحول إلى وجهة سياحية مستقلة. فقد تكون لدى قرية مقومات للإنتاج الزراعي، وأخرى إمكانات للتصنيع أو الخدمات، وثالثة موقع مناسب لاستقبال الزوار أو تسويق المنتجات. وعندما تنشأ روابط اقتصادية منظمة بين هذه التجمعات، تصبح التنمية أقل اعتمادًا على نجاح مشروع منفرد، وأكثر قدرة على توزيع الفرص والمنافع على نطاق جغرافي أوسع.
لكن الحديث عن نجاح ليزو في استقطاب الشباب يحتاج إلى قراءة أكثر دقة من الاكتفاء بأعداد رواد الأعمال. فالتقارير الصينية تشير إلى وجود مئات من رواد الأعمال الريفيين الذين ارتبطوا بأنشطة القرية، غير أن هذا التصنيف يشمل فئات مختلفة؛ منها أبناء المناطق الريفية الذين عادوا بعد الدراسة أو العمل خارجها، ومنها أشخاص انتقلوا من مناطق أخرى لتأسيس مشروعات جديدة. ولذلك لا يمكن استخدام أعداد رواد الأعمال باعتبارها دليلًا مباشرًا على عودة سكان القرية الأصليين، كما لا يمكن الجزم بحجم التحول الديموغرافي دون بيانات تقارن حركة السكان عبر فترات زمنية متتابعة.
وهذا التمييز ليس تفصيلًا إحصائيًا، بل مسألة أساسية لفهم معنى التنمية الريفية. فعودة أبناء القرية تمثل ظاهرة اجتماعية واقتصادية مختلفة عن استقطاب مستثمرين أو رواد أعمال من خارجها، وإن كان كلا المسارين قادرًا على المساهمة في تنشيط الاقتصاد المحلي. وقد يكون استقطاب المهارات الخارجية ضروريًا في المراحل الأولى لتطوير الأنشطة الاقتصادية، بينما يتطلب بناء مجتمع مستدام أن تنعكس هذه الأنشطة على فرص السكان المحليين ومستويات دخلهم وقدرتهم على المشاركة في الإنتاج والإدارة والاستثمار.
ومن هنا ينبغي ألا تتحول عودة الشباب إلى مؤشر شكلي لنجاح التنمية. فقد يعود بعض الأفراد إلى القرى نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة في المدن أو صعوبة الحصول على وظائف مستقرة، وليس بالضرورة بسبب تحسن الفرص الاقتصادية الريفية. كما أن إنشاء المشروعات الصغيرة لا يضمن نجاحها أو استمرارها، خصوصًا إذا اعتمدت على إعفاءات مؤقتة أو دعم مالي لا يمكن المحافظة عليه. ولهذا فإن التقييم الحقيقي يتطلب النظر إلى استقرار المشروعات، ومستويات الدخل، ونوعية الوظائف، وقدرة الأنشطة الاقتصادية على الاستمرار بعد انتهاء الحوافز الأولية.
ولا تقتصر المسألة على الاقتصاد وحده؛ إذ ترتبط جاذبية القرية أيضًا بالصورة الاجتماعية والثقافية التي يحملها الشباب عنها. ففي المجتمعات التي ارتبط فيها النجاح المهني بالانتقال إلى المدن، قد تبدو العودة إلى الريف تراجعًا في المكانة الاجتماعية، حتى عندما تتوافر فرص اقتصادية معقولة، أما عندما تصبح القرية مساحة للمبادرة والعمل والإبداع، وتتوافر فيها الخدمات والاتصال الرقمي والأنشطة الاجتماعية، فإن صورتها تبدأ بالتغير من مكان يُغادر بحثًا عن المستقبل إلى مكان يمكن المشاركة في صناعة المستقبل داخله.
وتكتسب هذه التحولات أهمية إضافية عندما ترتبط بانتقال المعرفة والخبرة من المدن إلى المناطق الريفية. فالشباب الذين اكتسبوا مهارات إدارية أو تقنية أو تسويقية خلال الدراسة والعمل خارج قراهم يستطيعون، عند عودتهم أو ارتباطهم بمشروعات محلية، توظيف تلك الخبرات في تطوير المنتجات والخدمات وتحسين أساليب الإدارة وتوسيع الوصول إلى الأسواق. وقد يسهم هذا التفاعل في إدخال أنشطة اقتصادية جديدة لم تكن جزءًا من الحياة الريفية التقليدية، وفي بناء علاقات أكثر تنوعًا بين الاقتصاد المحلي والأسواق الحضرية والرقمية.
ومن هذا المنظور، لا تكون عودة الشباب مجرد حركة سكانية معاكسة للهجرة، وإنما قد تصبح وسيلة لإعادة توزيع رأس المال البشري والمعرفي بين المدينة والريف. غير أن هذا الاحتمال يظل مرتبطًا بقدرة المؤسسات المحلية على استيعاب المهارات الجديدة وتوفير بيئة مناسبة للمبادرة والاستثمار. فالقرية التي تستقطب الكفاءات دون أن توفر لها فرصًا للنمو المهني قد لا تستطيع الاحتفاظ بها طويلًا، كما أن النشاط الاقتصادي الذي يعتمد على عدد محدود من الأفراد قد يتعرض للتراجع إذا غادر هؤلاء أو توقفت مشروعاتهم.
وهنا تتضح أهمية الإدارة المحلية بوصفها حلقة وصل بين السياسات الوطنية واحتياجات المجتمعات الريفية. فالقرية لا تستطيع بمفردها معالجة جميع العوامل التي تدفع الشباب إلى المغادرة، كما أن توفير التمويل للمشروعات الصغيرة قد لا يكون كافيًا إذا غابت الأسواق والخدمات والبنية الأساسية والتدريب. ولذلك تحتاج التنمية الريفية إلى تنسيق بين مستويات الإدارة المختلفة، وإلى ربط التخطيط الاقتصادي بالتعليم والتأهيل والخدمات العامة والاستثمار المحلي، بحيث تصبح عودة الشباب نتيجة لتحسن البيئة الاقتصادية والاجتماعية، لا هدفًا منفصلًا عن شروط تحقيقه.
وعند الانتقال إلى السياق العُماني، يكتسب هذا النقاش أبعادًا خاصة ترتبط بتنوع المحافظات والولايات والقرى، وبالعلاقة التاريخية والاجتماعية التي تربط الإنسان العُماني بمكانه. فالكثير من التجمعات المحلية تمتلك موارد طبيعية وثقافية وتراثية يمكن أن تشكل أساسًا لأنشطة اقتصادية متنوعة، لكن وجود الموارد لا يعني بالضرورة توافر الفرص. وقد تمتلك قرية مقومات سياحية متميزة، أو منتجات زراعية وحرفية ذات قيمة، من دون أن تكون لديها منظومة تسويق أو خدمات أو استثمارات تسمح بتحويل هذه المقومات إلى اقتصاد محلي قادر على توفير وظائف مستقرة.
ومن هنا يصبح تطوير القرى والولايات مرتبطًا بسؤال يتجاوز تحسين البنية الأساسية أو تنفيذ المشروعات العامة، ويتعلق بكيفية بناء فرص اقتصادية تتناسب مع مهارات السكان وتطلعاتهم. فبعض المناطق قد تستفيد من تطوير الصناعات الغذائية المرتبطة بإنتاجها الزراعي، وأخرى من الأنشطة السياحية والثقافية، بينما تمتلك مناطق ساحلية فرصًا في الخدمات البحرية والصناعات المرتبطة بالثروة السمكية. وقد يكون مستقبل بعض القرى مرتبطًا بالعمل الرقمي أو بالخدمات التي تقدمها لمراكز حضرية قريبة، وليس بالضرورة بإقامة نشاط اقتصادي مستقل داخل كل قرية.
وتقدم تجربة التكامل بين ليزو والقرى المجاورة لها فكرة تستحق الدراسة في هذا السياق؛ إذ قد يكون من الأكثر كفاءة النظر إلى مجموعة من القرى والولايات بوصفها نطاقًا اقتصاديًا مترابطًا، بدل التعامل مع كل تجمع سكاني باعتباره وحدة مستقلة تحتاج إلى مشروعاتها ومرافقها الخاصة. ويمكن لهذا التصور أن يتيح تطوير خدمات مشتركة للتسويق والتدريب والتصنيع والنقل، وأن يساعد على توجيه الاستثمارات نحو الأنشطة التي تمتلك فرصًا حقيقية للنمو، مع المحافظة على الخصوصية الاقتصادية والاجتماعية لكل منطقة.
ولا يعني ذلك أن نجاح نموذج صيني معين يبرر تطبيقه بصورة مباشرة في عُمان. فاختلاف الكثافة السكانية وحجم الأسواق وتوزيع التجمعات العمرانية والبنية الاقتصادية يجعل نقل التجارب مسألة أكثر تعقيدًا من مجرد تبني أدواتها الإدارية أو الاستثمارية. وقد تكون الحوافز التي نجحت في جذب رواد الأعمال إلى قرية تقع بالقرب من مركز تجاري ضخم أقل فاعلية في تجمع سكاني بعيد عن الأسواق الرئيسية، كما أن الأنشطة السياحية التي تحقق عوائد مرتفعة في منطقة ذات حركة زوار كثيفة قد لا تكون مناسبة لقرية تختلف عنها في الموقع والموارد والطلب المتوقع.
ولهذا فإن القيمة الحقيقية للتجربة الصينية لا تكمن في البحث عن قرية يمكن استنساخها، وإنما في فهم العلاقة بين البيئة المحلية والفرصة الاقتصادية والقدرة المؤسسية على استقطاب الإنسان. فالتنمية التي تنجح في مكان معين قد تكون مرتبطة بعوامل يصعب تكرارها، لكن تحليل تلك العوامل يساعد على بناء نماذج أخرى أكثر ملاءمة للظروف المحلية. ومن هنا تصبح المقارنة الدولية أداة للتعلم واختبار الافتراضات، لا وسيلة لاستيراد حلول جاهزة.
وفي الحالة العُمانية، قد لا يكون الهدف الواقعي إعادة الشباب إلى جميع القرى، وإنما توسيع الخيارات الاقتصادية والمهنية أمامهم، بحيث لا يصبح الانتقال إلى المراكز الحضرية ضرورة مفروضة بسبب غياب الفرص. كما أن تطوير الاقتصاد المحلي لا يشترط بالضرورة العودة الدائمة إلى مكان المنشأ؛ فقد يستطيع بعض الشباب الاستثمار في قراهم وإدارة مشروعاتهم عن بُعد، أو نقل خبراتهم إليها من خلال شراكات اقتصادية ومهنية، أو المشاركة في تطوير أنشطة إنتاجية تربط مجتمعاتهم بأسواق أوسع.
ومن هذا المنظور، تصبح القرية المستدامة أكثر من وحدة إنتاجية؛ إنها مجتمع يستطيع تجديد موارده البشرية والاقتصادية والاجتماعية، ويحافظ على هويته دون أن يعزل نفسه عن التحولات الحديثة. فالاستدامة لا تعني تثبيت المكان في صورته التقليدية، ولا تحويله إلى نسخة مصغرة من المدينة، وإنما تمكينه من تطوير نموذج معيشة وإنتاج يتناسب مع خصائصه ويستجيب في الوقت نفسه لتطلعات الأجيال الجديدة.
وقد تكون هذه إحدى أهم الأفكار التي تتيحها قراءة التجربة الصينية من منظور عُماني؛ فالتنمية المحلية لا تكتمل عندما تتحسن المؤشرات الاقتصادية وحدها، وإنما عندما تتسع قدرة الإنسان على الاختيار والمشاركة في صناعة مستقبله. وإذا كانت تجارب مثل ليزو قد أظهرت إمكان تحويل بعض القرى إلى مراكز للإنتاج والخدمات والسياحة وريادة الأعمال، فإن السؤال الأعمق يتعلق بمدى قدرة هذه التحولات على بناء مجتمعات أكثر توازنًا واستقرارًا، لا بمجرد تحقيق نمو اقتصادي مرحلي.
وهنا تتضح العلاقة بين المسارات التي تناولتها هذه السلسلة حتى الآن؛ فقد بدأ النقاش من بنية الإدارة الصينية والعلاقة بين المركز والمستويات المحلية، ثم انتقل إلى التجريب بوصفه أداة لاختبار الحلول، ومنها إلى تحول القرية إلى وحدة اقتصادية منتجة، وصولًا إلى الإنسان باعتباره العنصر الذي يمنح التنمية معناها واستمراريتها. وهي مسارات مترابطة لا يمكن فصل نتائجها الاقتصادية عن شروطها المؤسسية والاجتماعية.
غير أن الوصول إلى هذه المرحلة يفرض ضرورة التمييز بين المبادئ التنموية العامة والظروف الخاصة التي أنتجت نجاح كل تجربة. فالصين وعُمان تختلفان في الحجم السكاني والموارد والبنية الاقتصادية والأنظمة الإدارية والتاريخ الاجتماعي، كما أن التجارب التي نجحت في قرى صينية معينة قد تكون مرتبطة بعوامل جغرافية ومؤسسية وسوقية يصعب تكرارها. ولذلك فإن الانتقال من دراسة التجربة الصينية إلى التفكير في الاستفادة منها عُمانيًا يتطلب مراجعة نقدية لا تكتفي بإبراز النجاحات، بل تبحث كذلك في حدودها وتكاليفها وشروط استمرارها.
إن الدرس الأهم لا يتمثل في إعادة الشباب إلى القرية بأي ثمن، وإنما في بناء قرية لا يضطر شبابها إلى مغادرتها بسبب غياب الفرص، ويستطيع من غادرها أن يعود إليها إذا وجد فيها مستقبلًا يستحق الاستثمار.
وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال متعلقًا بما حققته الصين وحدها، وإنما بما يمكن أن نتعلمه من تجربتها دون أن نفقد خصوصية واقعنا. فالتنمية التي تنجح في مكان لا تنتقل بالضرورة إلى مكان آخر، لكن فهم الشروط التي أنتجتها قد يساعد على بناء حلول جديدة أكثر ملاءمة للإنسان والجغرافيا والاقتصاد.
وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي محاولة للاستفادة من التجارب الدولية: ألا ننقل نتائجها كما هي، بل أن نمتلك القدرة على قراءة أسباب نجاحها، وحدودها، وما يصلح منها لأن يتحول إلى معرفة تنموية قابلة للتوظيف في سياق مختلف.
