"HMUN" في مدارس عُمان

 

 

 

محمد بن رضا اللواتي

لفتني منظر توافد الطلبة والطالبات ذات صباح في أحد فنادق مسقط، وهم يرتدون البدلات بدلًا من الدشداشة العُمانية والكُمة أو المُصَّر العُماني! بداية كدتُ أظن أنَّ ثمَّة تجمع للطلبة الأجانب، لولا أني تمكنتُ من معرفة بعض الوجوه من الشباب العُماني، لكن الوقت لم يكن فيه متسعٌ يكفي لأن أسألهم عن سبب تواجدهم هُنا وبالبدلات!

لاحقاً، وبعد تتبع الحدث، حصلت على الإجابة وهي أنَّ التجمع كان عبارة عن نشاط يُحاكي أنشطة الأمم المُتحدة!

نموذج محاكاة الأمم المتحدة (Model United Nations – MUN)، هو نشاط تعليمي يحاكي أعمال منظمة الأمم المتحدة ولجانها المُختلفة، حيث يتقمص الطلبة أدوار ممثلي الدول، ويشاركون في مُناقشة قضايا دولية متنوعة، مثل التغير المناخي، وحقوق الإنسان، والأمن والسلم الدوليين، والتنمية المستدامة، والتحديات الاقتصادية، والإنسانية، وغيرها.

يبدأ العمل في إعداد نماذج المحاكاة هذه بإعداد المواضيع التي ستتم مناقشتها في النموذج، حيث يمثل الطلبة المشاركون دولا متنوعة مختلفة، ثم يُطلب من كل مجموعة البحث والتقصي عن موضوع ما، مثلا حقوق الطفل.

وفي الموعد المُحدد للمحاكاة، والذي عادة يكون في إحدى المدارس أو الفنادق، يعرض الطلبة وجهات نظرهم بصفتها وجهات نظر الدول التي يمثلونها. فقد نجد طالباً عُمانياً إلا إنه يمثل ماليزيا مثلا، وآخر يمثل النرويج، وطالبة تمثل أوزباكستان، ثم تطرح كل مجموعة رؤيتها للحدث الذي ظلوا يحققون ويقرأون حوله.

إنها فكرة مُبتكرة، فهي تعمل من جهة على إخراج الطالب أو الطالبة من الهموم الصغيرة إلى هموم كُبرى، وتمنحهم بُعد النظر في الرؤى من حيث سعة مجال التفكير في مواضيع لا يحسون عادة بأن لها علاقة بإيقاع حياتهم الروتينية.

كما وأن التحضير لأجل إعداد ملف الموضوع بشكل متقن يدعوهم إلى القراءة والبحث والتحري. أضف إلى هذا مهارات الإلقاء، والإقناع بوجهات النظر، وتكوين التحالفات، ونقد الآراء المخالفة، وصياغة مشروعات القرار، ووضع خطط التنفيذ.

قرأتُ أن مدرسة دولية بمسقط، كانت قد استضافت مؤتمرًا لنموذج الأمم المتحدة في 24 و25 يناير 2025، بمشاركة أكثر من 150 طالبًا من سبع مدارس.

إنه نشاط تفاعلي يجمع بين المعرفة الأكاديمية والممارسة العملية، ومنح الشباب فرصة مبكرة لاكتساب مهارات القيادة والدبلوماسية وصناعة القرار.

نموذج ينقل الطالب من موقع المتلقي للمعلومة إلى موقع الباحث والمحلل وصانع المقترحات، في تجربة تعليمية تتجاوز حدود الفصل الدراسي، فضلا عن تجاوز الإيقاع اليومي الرتيب، لتفتح أمامه آفاقًا أوسع لفهم العالم والتفاعل مع قضاياه.

أعجبني ذلك الطالب الذي كان يجلس بين أقرانه في إحدى ليالي الجمعة، وبينما الجميع يتحدث عن السيارة التي يودون شراءها بعد التخرج، أو الراتب الذي يتوقعونه، ونتائج بعض المباريات التي سهروا إلى ما بعد منتصف الليل لمشاهدتها، وإذا به يُناقش معهم رؤية فريقه الذي كان يُمثل السويد، في المخاطر المتوقعة من السيارات الكهربائية مُستقبلًا، وأخذ يتساءل عما إذا كان من الممكن أن تتحول هذه السيارات مستقبلًا إلى أجهزة يمكن التحكم بها عن بُعد، رغمًا عن إرادة سائقيها! بل ذهب في تصوره إلى أن العودة إلى سيارات البنزين قد تجنبنا أن تتحول سياراتنا إلى أجهزة "بيجر" في أيدي الآخرين!

إلا أنَّ الأمر الذي أذهلني حقاً هو ما قام به بعض الشباب العُماني، وأعني تحديدًا علي العجمي، ومحمد الحجازي، وأحمد المحروقي، ومعهم يزدان مهربان؛ إذ أضافوا Hayba على MUN ليكون وهم يقصدون بهذه الإضافة "الهيبة العُمانية"، وربما يعنون بها "الخصوصية العُمانية"!

لقد أرادوا لنموذج المحاكي لمجالس الأمم المتحدة، هُنا في عُمان، أن تكون له صبغته الخاصة التي تتفرد بها سلطنة عُمان، بالنظر إلى ما تتميز به السياسة العُمانية من نهج راسخ يقوم على الحوار والتفاهم والتعايش السلمي واحترام سيادة الدول، والسعي إلى تقريب وجهات النظر وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية.

هذا الاعتزاز بالهوية الوطنية، جعلتهم يبتكرون هذه الخلطة: "شخصية منفتحة على العالم دون أن تفقد ارتباطها بجذورها وقيمها الأصيلة".

ولكن ماذا لو أنَّ هؤلاء الشباب أضافوا لاحقا حرف R أيضاً ليمثل Reforming لتلك اللجان الأممية وعلى النهج العُماني؟

مهما كان الأمر، لنشًّد على أيادي هؤلاء المبتكرين لهذه المحاكاة بالنهج العُماني، ونتمنى لمشروعهم أن يتلقى دعما ليتجاوز نطاق المدارس فيحط رحله في أجواء كافة المؤسسات التعليمية.

كل النجاح والتوفيق.

الأكثر قراءة

z