لغة الحياة!

 

 

 

محمد بن رضا اللواتي

[email protected]

بينما كنتُ متوجهًا لزيارة مختبر الأمراض الوراثية Bion، تمكن ذهني من تجاوز السنين بسرعة البرق ليلتقط لي ومن بين ألوف وألوف من المعلومات المتراكمة، الجملة التي تمَّ بها تدشين الإعلان التاريخي عن اكتشاف العلماء للمسودة الأولى للجينوم البشري في 26 يونيو 2000.

إنها: "اليوم، نتعلم اللغة التي خلق الله بها الحياة"!

إنني الآن في المواقف المُقابلة للمختبر، ولحُسن الحظ أن خدمة المساعدة على اصطفاف السيارة كانت مُتاحة، وإلا لكنتُ ربما أضطر للعودة! وبينما أسحب خطواتي نحو المختبر، تمكَّن ذهني من أن يُصوِّر لي جسمي هذا على هيئة مصنع شديد التعقيد. إنه يضم مليارات الخلايا التي تعمل بتناغم مذهل. ولكي يؤدي هذا المصنع وظائفه، فإنه يحتاج إلى كتاب تعليمات يُحدد كيفية بناء أجزائه وتشغيلها وتنظيم أعمالها.

هذا الكتاب هو ما يُسميه العلماء بالجينوم البشري.

الجينوم عبارة عن مجموعة كاملة من المعلومات الوراثية التي يحملها الإنسان، والمكتوبة بلغة كيميائية تتكون من أربعة أحرف فقط، تتكرر بترتيبات مختلفة عبر نحو 3 مليارات حرف وراثي في نسخة واحدة من الجينوم.

يا إلهي! هل هذا معقول؟

تتضمن هذه المعلومات آلاف الجينات التي تؤثر في نمو الإنسان ووظائف جسمه وصفاته، كما يمكن لبعض التغيرات فيها أن تؤدي إلى الإصابة بأمراض وراثية.

حسنًا، ها أنا في مختبر Bion للأمراض الوراثية، والذي منذ إنشائه، وقد أسهم إنشاء المختبر في توطين العديد من الفحوص الوراثية المتقدمة التي كان يتطلب إجراؤها في السابق إرسال العينات إلى خارج السلطنة.

هنا يمكن إجراء فحوص للأمراض الوراثية، وتسلسل الإكسوم (أجزاء الجينوم التي تحمل التعليمات اللازمة لصناعة البروتينات)، والفحوص الجينية خلال الحمل، والفحوص الوراثية للأجنة قبل الانغراس، ودراسة الاضطرابات الكروموسومية، والفحوص الجزيئية المرتبطة بالسرطان. لقد حاز المختبر على اعتماد وزارة الصحة في سلطنة عُمان بصفته مختبرًا مرجعيًا للوراثة.

لنعد إلى الجينوم؛ ففي عام 2000؛ تمكن العلماء للمرة الأولى من إعداد مسودة واسعة النطاق لهذا الكتاب الوراثي، وفتحوا بذلك نافذة جديدة لفهم أسرار جسم الإنسان. لقد وضعوا أصابعهم على اللغة التي بها خلق الله الحياة!

فريق مُختبر الأمراض الوراثية يقدم لي ولزملائي شرحًا رائعًا لمهامه، وما يمكن إنجازه اليوم هُنا في هذا المختبر.

ولكن لحظة! لا يزال ذهني عالقاً في عام 2000!

إن فضول الكائن البشري وإصراره على تعقب أسرار هذا العالم واكتشاف دلائل القُدس الإلهي في صنعه لمخلوقاته لا يتوقف. إنها 4 سنوات مضت، عندما تم الإعلان العالمي والتاريخي عمَّا قد تحقق؛ فلقد نجح فريق علمي دولي يعرف باسم Telomere-to-Telomere Consortium (T2T) في استكمال المناطق التي كانت مفقودة من التسلسل السابق.

لقد تمكنوا من إضافة نحو 200 مليون حرف وراثي جديد لم يكن قد تم اكتشافه قبل!

أيضًا تمكنوا من اكتشاف مناطق معقدة للغاية داخل الكروموسومات لم تكن مقروءة سابقًا.

والأهم من ذلك كله، وبما يرتبط بحياة الإنسان على هذا الكوكب، وهو أيضا يفسر سبب تواجدي في Bion اليوم هو: لقد فتح هذا الإنجاز آفاقًا أوسع لاكتشاف اختلافات جينية لم يكن الوصول إليها سهلًا من قبل، بعضها قد يُسهم في تفسير أمراض وراثية ظلت أسبابها غامضة!

فريق مختبر الأمراض الوراثية يأخذنا في جولة قصيرة للتعرف على غرف الفحوصات الموجودة فيه والأجهزة التابعة لكل غرفة.

هنا يمكن البحث عن التغيُّرات الجينية التي قد تقف خلف بعض حالات اضطراب طيف التوحد والتأخر النمائي لدى الأطفال، والمساعدة في تفسير عدد من الحالات العصبية والوراثية التي طالما حيّرت الأطباء.

كنتُ أتساءل، بينما ذهني يبذل قصارى جهده لفهم طبيعة هذه الأجهزة وما يمكنها أن تؤديه من مهام: لماذا الاكتشاف الذي تحقق قبل 4 سنوات من الآن مُهم للغاية في إطالة عمر الإنسان؟  لنتخيل طبيبا يبحث عن سبب مرض وراثي نادر لدى طفل، وقد فحص الجينات المعروفة دون أن يجد تفسيرًا للمرض، ولكن بلا جدوى! لأنَّ السبب قد يكون كامنا وبدقة بالغة في بُعدٍ وراثيٍ عصي على الفحص والتحليل!

ولكن بعد إنجاز 2022، بات الدخول في الأبعاد الوراثية المُعقدة ممكنًا جدًا، وبالتالي أصبح من الممكن أن يقوم ذلك الطبيب بالبحث عن تغيرات جينية تقف خلف مرض الطفل الوراثي الذي يريد معالجته.

إننا على العتبة التي تساعد في المضي إلى الأمام مستقبلا، لأجل تشخيص أفضل لبعض الأمراض الوراثية.

الدكتورة عايدة رضا لا تزال تشرح دور بعض الأجهزة عالية الدقة والموجودة في هذا المختبر. إنهم بإمكانهم هُنا مد يد العون للمصاب باضطراب نقص الانتباه، وبمشكلات فرط الحركة!

الاستشارات العلاجية في حقول الحياة الأسرية مع حُزمة من الحلول متاحة أيضاً.

ثم جاء تاريخ 23 أغسطس من عام 2023؛ حيث نشر العلماء فيه أول تسلسل مكتمل للكروموسوم الذكري Y، الذي لم يكن مشمولًا ضمن اكتشاف عام 2022.

ماذا أضاف ذلك في منظومة الاكتشافات البشرية للغة الحياة الإلهية؟

يقولون إن أكثر من 30 مليون زوج من القواعد الوراثية للكروموسوم Y قد تمت إضافتها!

وقد أتاح هذا الإنجاز آفاقًا جديدة لدراسة الجينات الموجودة في هذا الكروموسوم، وفهم دور بعضها في الخصوبة الذكرية والاختلافات الوراثية.

ومع كل هذا الذي تحقق، فالعلماء يقولون إن هذه الاكتشافات المتعلقة بلغة الحياة الإلهية، تبدو وكأن طفلًا قد ذهب للتو إلى المدرسة.

هل قطع ذلك الطفل شوطًا هائلًا حقًا في قراءة الشفرة الوراثية؟

وعند مغادرتي للمختبر، رفعت عينيّ إلى اسمه مُجددًا، ثم ودعت الفريق الذي كان في استقبالنا، وكُلي أمل في أن تتمكن أمثال هذه المختبرات يومًا ما من منح الإنسان سنوات أطول من الحياة الصحية، وأن تسهم في تحويل أمراض وراثية كانت تبدو قدرًا لا مفر منه إلى حالات يمكن الوقاية منها أو علاجها.

الأكثر قراءة

z