عِشْ فِي كَمَالٍ مُسْتَمِدًّا نِعْمَةً.. مِنْ رَبِّكَ الْوَهَّابِ لَا مُتَنَاهِيَهْ

الإشادة النبوية بأهل عُمان وروائع الشعر العُماني تتجلى في "العشاء الملكي"

 

◄ الاستشهاد بأبيات "شيخ البيان" وأبي مسلم البهلاني يعكس المعرفة العميقة لدى الملك تشارلز بالثقافة العُمانية

◄ "شيخ البيان" أحد أبرز شعراء عُمان وصاحب نتاج شعري بليغ

◄ الاقتباس الملكي يمنح النص الشعري التاريخي حضورًا معاصرًا

الرؤية- غرفة الأخبار

تكريمًا لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- أقام جلالة الملك تشارلز الثالث، ملك المملكة المتحدة، أمس مأدبة عشاءٍ رسميةً بقلعة ويندسور، بحضور جلالة الملكة كاميلا احتفاءً بزيارة "دولةٍ" يقوم بها جلالته للمملكة المتحدة.

ورحّب جلالةُ الملك تشارلز الثالث، خلال مأدبة العشاء الملكي، بجلالة السلطان المعظم، معربًا عن سروره وزوجته الملكة كاميلا باستقبال جلالته في قلعة ويندسور، ومؤكدًا عمق العلاقات التاريخية التي تربط البلدين.

تفريغ السلطان.jpg
 

وفي لفتة تعكس عمق المعرفة لدى جلالة الملك بالثقافة العُمانية والإسلامية، استشهد جلالته ببيت شعري للشاعر العُماني محمد بن شيخان السالمي، الملقب بـ«شيخ البيان»، موجّهًا إياه إلى جلالة السلطان، في استحضار للتراث الشعري العُماني ضمن هذه المناسبة الرسمية.

إذ قال جلالة الملك:

«عِشْ في كمالٍ مستمدًّا نعمةً

من ربِّكَ الوهّابِ لا متناهيهْ».

ويُشكّل هذا الاستشهاد حضورًا لافتًا للشعر العُماني في مناسبة ملكية رفيعة المستوى، ويُبرز ما يحمله الأدب من قدرة على التعبير عن التقدير والاحترام، واستحضار الروابط التاريخية والثقافية بين الشعوب.

وتعود الأبيات إلى قصيدة مدحية نظمها محمد بن شيخان السالمي في سياق مدح السلطان فيصل بن تركي، الذي حكم عُمان بين عامي 1888 و1913. وتضمنت القصيدة الثناء على مناقبه وكرمه.

ويأتي اقتباس جلالة الملك من ختام القصيدة ليمنح هذا النص الشعري التاريخي حضورًا معاصرًا، من خلال توظيفه في الترحيب بجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- أبقاه الله- وتكريمه خلال زيارة دولة يقوم بها جلالته إلى المملكة المتحدة.

ويُعدّ محمد بن شيخان السالمي أحد أبرز شعراء عُمان، وقد عُرف بجزالة لغته وقوة أسلوبه البلاغي، وبما تركه من نتاج شعري يعكس ملامح الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في عصره.

كما استشهد جلالة الملك تشارلز الثالث بالحديث النبوي الشريف عن أهل عُمان، "لو أن أهل عُمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك"، ما يؤكد مدى قوة العلاقات الثقافية بين سلطنة عُمان والمملكة المتحدة؛ حيث عُرف عن الملك تشارلز الثالث درايته العميقة بالثقافة العربية والإسلامية بشكل عام.

وذلك أكد الملك تشارلز الثالث على أن التنوع الغني للمؤسسات الثقافية التي تربط بين بلدينا لهو خير دليل على أن طلابنا وأبناءنا، وعلماءنا وجنودنا، ومستثمرينا وبحارتنا، وتجارنا وكتابنا، يسيرون على خطى بيرترام توماس وبن كلوت في توثيق الروابط بين بريطانيا وعُمان، بينما نواصل معًا استكشاف "الربع الخالي" الشاسع في عالمنا المعاصر.

ومن بين الاستشهادات التي تعكس عمق الثقافة لدى جلالة الملك، بيت الشعر العُماني الذي قرضه الشاعر العُماني الكبير أبو مسلم البهلاني عندما قال:

ولا برحتْ تلك الرياض نواضرًا

تضمخها طيب السلام النسائم.

هذا بالإضافة إلى الاستشهاد بأقوال الرحالة الكبير ابن بطوطة في القرن الرابع عشر، والتي وصف فيها سلطنة عُمان عندما قال "في غاية الجمال والروعة".

وقال جلالة الملك: "أما بالنسبة لي، فقد كنت محظوظًا للغاية بأن تعرفت على عُمان على مدى سنوات عديدة ومن خلال زيارات كثيرة قضيت خلالها لحظات جميلة؛ حيث أذكر أنني كنت أحظى فيها أحيانا بصحبة جلالتكم، محاولًا رسم معالم طبيعة عُمان الخلابة؛ تلك الطبيعة التي وصفها الرحالة الكبير ابن بطوطة في القرن الرابع عشر بأنها "في غاية الجمال والروعة".

وقد اختتم الملك تشارلز الثالث كلمته خلال مأدبة العشاء قائلًا: "جلالة السلطان.. آمل أن تعكس هذه الزيارة الرسمية الأهمية التي توليها المملكة المتحدة لعُمان، ولنظام الحكم فيها ومؤسساتها، ولصداقتنا مع جلالتكم شخصيًا".

وألقى جلالة السلطان المعظم كلمةً بهذه المناسب؛ حيث قال: "جلالة الملك تشارلز، جلالة الملكة، أصحاب السمو الملكي، الحضور الكريم، يسرنا في مستهل حديثنا أن نعرب عن تقديرنا الصادق لما تفضلتم به من كلماتٍ صادقةٍ، ولما لقيناه والوفد المرافق لنا من حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة؛ وما ذلك إلا دليلٌ على ما اتسمتم به من سمو النفس وما يجمعنا من روابط صداقة أصيلة نعتز بها أيما اعتزاز، وإنه لمن دواعي سرورنا أن نزور قلعة وندسور، هذا الصرح الذي يجسد التاريخ العريق والتقاليد الراسخة للمملكة المتحدة.

وعلى الرغم من البعد المترامي بين بلديْنا، فقد وثقت سلطنة عُمان وبريطانيا أواصر التقارب منذ قرون عديدة عبر أسفار البحارة العُمانيين والسفن البريطانية، وأسهمت تلك اللقاءات في عرض البحار في نسج عرى الصداقة المتينة بين بلديْنا. واليوم، تمخر سفينة صداقتنا، لا يثنيها تعاقب الأنواء.

وقد توطدت هذه العلاقة العريقة في وثيقة رسمية عام 1800، حين أبرمت سلطنة عُمان وبريطانيا العظمى معاهدة على أن " تظل الصداقة بين الدولتين ثابتة مدى الدهر، إلى أن تقضي الشمس والقمر مسيرة دورتهما"؛ وبالرغم من مضي أكثر من مائتين وعشرين عامًا، ولا تزال الشمس والقمر يدوران في فلكهما، فإن تلك الصداقة ثابتة، راسخة لا تتزعزع.

ومع إدراكنا اختلاف ظروفنا ومسؤوليتنا، فقد ظل الاحترام المتبادل الراسخ هو السمة الأبرز لعلاقتنا، وتجلى ذلك في العمل المشترك الذي تضطلع به كلتا الدولتين.

ويتجلى هذا التعاون في أنبل صوره، لا سيما في المجال العسكري؛ فقد تعاقبت أجيال من القوات العُمانية والبريطانية على الخدمة جنبًا إلى جنب وعبر الأجيال التي تتدرب معًا، وتقف حارسة على الثغور، ويتعلم بعضها من بعض. وقد صقل ضباطنا خبراتهم في أرقى الأكاديميات العسكرية البريطانية، وبالمثل قد أدى ضباط بريطانيون خدمتهم في سلطنة عُمان.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z