◄ الملك تشارلز يُشيد بالقيادة المفعمة بالحيوية لجلالة السلطان.. ويؤكد: النهضة المتجددة تقود المسيرة التنموية في عُمان
◄ الملك تشارلز: البحارة العُمانيون كانوا يمتهنون التجارة قبل 1000 سنة من تأسيس المملكة المتحدة
◄ الملك تشارلز يستشهد بالحديث النبوي "لو أن أهل عُمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك"
◄ الملك تشارلز يستشهد بأبيات الشاعرين أبي مسلم البهلاني وشيخ البيان وأقوال ابن بطوطة
◄ شباب عُمان قوة دافعة ومحورية في مسيرة الابتكار والنمو والتقدم
◄ أشيد بالتزام عُمان الراسخ بالوساطة باعتبارها جهة تحظى بثقة جميع الأطراف
◄ سلطنة عُمان تقدم خدمات جليلة للمجتمع الدولي بفضل جهودها للحفاظ على أحد أهم الممرات الملاحية في العالم
******************
◄ جلالة السلطان: اللقاءات في عرض البحار أسهمت في نسج عُرى الصداقة المتينة بين بلديْنا
◄ الاحترام المتبادل الراسخ السمة الأبرز لعلاقتنا رغم اختلاف ظروفنا ومسؤوليتنا
◄ حين كنت في ريعان الشباب ألفتُ تلك العادة الوطنية المعروفة بـ"التوقيت الإنجليزي"
◄ آفاق ماثلة لإنشاء المزيد من المؤسسات التعليمية البريطانية في سلطنة عُمان
◄ السيد ذي يزن والأمير ويليام يتوليان رعاية الجمعية البريطانية العُمانية
◄ عُمان أمة حكيمة ارتأت أن تصغي وأدركت قوة لا تنال بالجيوش
ويندسور- العُمانية
تكريمًا لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- أقام جلالة الملك تشارلز الثالث، ملك المملكة المتحدة، مأدبة عشاءٍ رسميةً بقلعة ويندسور، بحضور جلالة الملكة كاميلا احتفاءً بزيارة "دولةٍ" يقوم بها جلالته للمملكة المتحدة.
وقبيل مأدبة العشاء صافح جلالة السلطان وجلالة الملك وجلالة الملكة المدعوين لمأدبة العشاء.
وألقى جلالة الملك تشارلز خلال حفل العشاء المقام على شرف جلالة السلطان أثناء زيارة "دولةٍ" للمملكة المتحدة، كلمة، قال فيها:
"إنها لمناسبة عزيزة أن نستقبل أصدقاء قدامى أعزاء في زيارة كهذه مع إدراكنا التام بأنكم تألفون هذه الديار، وإنه لمن دواعي سروري البالغ- أنا وزوجتي- أن نرحب بعودتكم إلى قلعة وندسور هذا المساء.
وتعد عُمان من أقدم حلفاء بريطانيا، وآمل-بعد كل هذه السنوات- أن تكون أيضًا واحدة من أقرب الأصدقاء.
ومن هذا الموقع المرموق ندرك أنه، قبل ألف عام من أول لقاء جمع بين أبناء بلديْنا- بل قبل ألف عام من تأسيس المملكة المتحدة ذاتها- كان البحارة العُمانيون يمتهنون التجارة عبر المحيط الهندي، موسعين بذلك آفاق تجارة البخور العُماني.
ولقد كانت مسارات التجارة تمتد بالفعل عبر بلاد الرافدين ومنطقة البحر الأبيض المتوسط قبل ذلك بألف عام، بل وقبل ذلك بألف عام أخرى! ولا يسعني هنا إلا القول إن هذا يضع ادعاءاتنا بشأن افتخارنا بأننا بارعون في الملاحة البحرية- نحن البريطانيين- على المحك.
وهكذا، فمنذ اللقاءات الأولى التي جمعت بريطانيا بهؤلاء التجار العُمانيين المرموقين نشأت صداقتنا، انطلاقًا من البحر؛ فقد كنا شركاء في الملاحة البحرية خلال القرن السابع عشر، وشركاء بموجب معاهدات في القرن الثامن عشر، وشركاء استراتيجيين في القرن التاسع عشر، ورفاق سلاح في القرن العشرين. أما اليوم، في القرن الحادي والعشرين، فقد توطدت علاقتنا عبر الدبلوماسية، والدفاع، والتجارة، والثقة المتبادلة.
أما بالنسبة لي، فقد كنت محظوظًا للغاية بأن تعرفت على عُمان على مدى سنوات عديدة ومن خلال زيارات كثيرة قضيت خلالها لحظات جميلة-حيث أذكر أنني كنت أحظى فيها أحيانا بصحبة جلالتكم- محاولًا رسم معالم طبيعة عُمان الخلابة؛ تلك الطبيعة التي وصفها الرحالة الكبير ابن بطوطة في القرن الرابع عشر بأنها "في غاية الجمال والروعة" كما قال الشاعر العُماني الكبير أبو مسلم البهلاني:
ولا برحتْ تلك الرياض نواضرًا
تضمخها طيب السلام النسائم.
وعلى مدى هذه العقود، حظيت بشرف معرفة سلفكم صديقي وأخي العزيز المغفور له جلالة السلطان قابوس، الذي نجح في إحداث تحول في عُمان مع الحفاظ في الوقت ذاته على ثقافتكم العريقة، وانتهج سياسة خارجية قائمة على الانفتاح والحوار بحكمة بالغة.
ونحن في بريطانيا ندين بالكثير لقيادته الملهمة، كما أحتفظ بمشاعر المودة العميقة وذكريات اللقاءات العديدة التي جمعتني به، منذ زيارتي الأولى لبلادكم قبل ستة وأربعين عامًا.
فعلى الصعيد الداخلي في سلطنة عُمان، عملتم- يا جلالة السلطان- على تعزيز مؤسسات الدولة، وأطلقتم رؤية جديدة لتنويع الاقتصاد العُماني وخفض انبعاثات الكربون من خلال "رؤية عُمان 2040".
وبفضل قيادتكم المفعمة بالحيوية وبعد النظر، وضعت النهضة المتجددة المهارات والتعليم في صميم مسيرتكم التنموية. ومن خلال ذلك، فقد جعلتم- بكل حكمة وبعد نظر- شباب عُمان قوة دافعة ومحورية في مسيرة الابتكار والنمو والتقدم في مستقبل البلاد.
ويسرني أن أقول، يا جلالة السلطان، إنه، في وقتٍ عادت فيه النزاعات لتلقي بظلالها المؤلمة على المنطقة، أن أشيد بشكل خاص بالتزام عُمان الراسخ بالوساطة باعتبارها جهة تحظى بثقة جميع الأطراف.
إن جهود عُمان النبيلة للحفاظ على أحد أهم الممرات الملاحية في العالم قد قدمت خدمة جليلة للمجتمع الدولي بأسره، لا سيما للفئات الأكثر تضررًا وضعفًا.
ووقفت المملكة المتحدة إلى جانب أطراف أخرى من المنطقة مع عُمان خلال صراعٍ دار قبل أكثر من خمسين عامًا، وقد ساعدتنا تلك التجربة، وما تلاها من سنوات، على إدراك عمق العلاقات وتعقيدات قضايا المنطقة. كما أتاحت لنا- من خلال رؤيتكم- تبصرًا حول مواضع التوافق المُمكِنة.
إنَّ دور سلطنة عُمان في منطقة الخليج وما تتَّبِعه بلادكم من "حيادٍ بناء"- على حد تعبيركم- ليحمل أهميةً تتجاوز بكثير نطاق مضيق هرمز، وهو أمرٌ يستحق منا كل التقدير والاحترام كما قال النبي محمد عن طباع أهل عُمان: "لو أن أهل عُمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك".
إن العلاقة الفريدة والمميزة التي تجمعنا تسهم في تعزيز الأمن للعالم ولشعبيْنا. ونحن نشعر بفخر بالغ تجاه ضباط الخدمة المعارين الذين يعملون في كلا بلدينا، كما نعرب عن عميق امتناننا لكرم الضيافة الذي تبديه سلطنة عُمان تجاه قواتنا المسلحة؛ بما في ذلك ما تقدمه قوات جلالتكم المسلحة للمحاربين القدامى البريطانيين.
إنَّ علاقاتنا تحظى بأهمية بالغة، وفي هذا الصدد، غمرتني سعادة بالغة لرؤية ابنينا- صاحب السمو الملكي أمير ويلز، وصاحب السمو السيد ذي يزن- يتوليان معًا الرعاية الفخرية للرحلة الاستكشافية "سلطنة عُمان جوهرة العرب" ولا يمكن للمرء أن يجد رمزًا للنجاح أبهج من استمرار علاقة حية تنتقل من جيل إلى جيل.
إن التنوع الغني للمؤسسات الثقافية التي تربط بين بلدينا لهو خير دليل على أن طلابنا وأبناءنا، وعلماءنا وجنودنا، ومستثمرينا وبحارتنا، وتجارنا وكتابنا، يسيرون على خطى بيرترام توماس وبن كلوت في توثيق الروابط بين بريطانيا وعُمان، بينما نواصل معًا استكشاف "الربع الخالي" الشاسع في عالمنا المعاصر.
جلالة السلطان..
لا يمكن لأي منا أن يجزم بطبيعة التحديات التي سيواجهها من سيخلفوننا؛ فعلى الرغم من جهودنا المستمرة، سيؤدي التغير المناخي للأسف إلى تغيير معالم الأراضي والبحار التي سيرثونها. كما يحمل الذكاء الاصطناعي في طياته وعودًا ومخاطر في آن واحد، ما لم يدر بحكمة بالغة وبعد نظر. وسيشكل التنافس على الموارد اختبارًا للنظام الدولي بطرق لا يمكننا التنبؤ بها حاليًا.
لكننا نعلم أمرًا واحدًا على الأقل: وهو أن من سيخلفوننا سيعتمدون على أصدقاء موثوقين. سيحتاجون إلى حلفاء مستعدين للعمل معًا رغم الاختلافات؛ للدفاع عن السلام والقانون الدولي؛ وللجمع بين الابتكار والمسؤولية في إدارة الموارد؛ وللتفكير ليس فقط في العام القادم، بل في الأجيال القادمة.
لقد دأبت عُمان وبريطانيا على القيام بذلك بالضبط على مدى قرون. ففي المعاهدة التي وقعنا عليها عام 1800، أعرب أسلافنا عن أملهم في أن تظل الصداقة بين دولتينا "راسخة لا تتزعزع مدى الدهر"، لقد كان وعدًا طموحًا، ولكن بعد مرور أكثر من مائتي عام، ثبت أنه وعدٌ قد تحقق بالفعل من خلال الروابط الحية بين بريطانيا وعُمان، والتي تجسدت في علاقات امتدت عبر الأجيال، لتصنع صداقةً راسخةً لا تزعزع بيننا.
جلالة السلطان..
آمل أن تعكس هذه الزيارة الرسمية الأهمية التي توليها المملكة المتحدة لعُمان، ولنظام الحكم فيها ومؤسساتها، ولصداقتنا مع جلالتكم شخصيا.
ويسرنا في هذا المقام أن نهديكم أبياتًا قد صاغها الشاعر العُماني الكبير شيخ البيان (محمد بن شيخان السالمي):
عِشْ في كمالٍ مستمدًا نعمةً
من ربك الوهاب لا متناهيهْ".
وألقى جلالة السلطان المعظم كلمةً بهذه المناسبة فيما يأتي نصها:
"جلالة الملك تشارلز، جلالة الملكة، أصحاب السمو الملكي، الحضور الكريم، يسرنا في مستهل حديثنا أن نعرب عن تقديرنا الصادق لما تفضلتم به من كلماتٍ صادقةٍ، ولما لقيناه والوفد المرافق لنا من حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة؛ وما ذلك إلا دليلٌ على ما اتسمتم به من سمو النفس وما يجمعنا من روابط صداقة أصيلة نعتز بها أيما اعتزاز، وإنه لمن دواعي سرورنا أن نزور قلعة وندسور، هذا الصرح الذي يجسد التاريخ العريق والتقاليد الراسخة للمملكة المتحدة.
وعلى الرغم من البعد المترامي بين بلديْنا، فقد وثقت سلطنة عُمان وبريطانيا أواصر التقارب منذ قرون عديدة عبر أسفار البحارة العُمانيين والسفن البريطانية، وأسهمت تلك اللقاءات في عرض البحار في نسج عرى الصداقة المتينة بين بلديْنا. واليوم، تمخر سفينة صداقتنا، لا يثنيها تعاقب الأنواء.
وقد توطدت هذه العلاقة العريقة في وثيقة رسمية عام 1800، حين أبرمت سلطنة عُمان وبريطانيا العظمى معاهدة على أن " تظل الصداقة بين الدولتين ثابتة مدى الدهر، إلى أن تقضي الشمس والقمر مسيرة دورتهما"؛ وبالرغم من مضي أكثر من مائتين وعشرين عامًا، ولا تزال الشمس والقمر يدوران في فلكهما، فإن تلك الصداقة ثابتة، راسخة لا تتزعزع.
ومع إدراكنا اختلاف ظروفنا ومسؤوليتنا، فقد ظل الاحترام المتبادل الراسخ هو السمة الأبرز لعلاقتنا، وتجلى ذلك في العمل المشترك الذي تضطلع به كلتا الدولتين.
ويتجلى هذا التعاون في أنبل صوره، لا سيما في المجال العسكري؛ فقد تعاقبت أجيال من القوات العُمانية والبريطانية على الخدمة جنبًا إلى جنب وعبر الأجيال التي تتدرب معًا، وتقف حارسة على الثغور، ويتعلم بعضها من بعض. وقد صقل ضباطنا خبراتهم في أرقى الأكاديميات العسكرية البريطانية، وبالمثل قد أدى ضباط بريطانيون خدمتهم في سلطنة عُمان.
لقد أرسى تبادل المعارف والخبرات ميثاقًا من الجاهزية والثقة لا تستطيع أي معاهدة وحدها أن تحققه وتبلغ مداه؛ إنها علاقة نابضة بالحياة، عريقة، مثبتة، وراسخة.
وتسري الروح ذاتها في منابر العلم وحرم الجامعات؛ ففي كل عام، يلتحق شباب من سلطنة عُمان بأرقى صروح العلم البريطانية لينهلوا من شتى العلوم والمعارف، يتتلمذون على أيدي أساتذتكم، ويسيرون في دروبكم العريقة، ويتعارفون مع الشعب البريطاني، لا كحليف بعيد، بل كصديق، وهم يسهمون في بناء وطننا، ويمدون جسورًا بين شعبي البلدين تزداد رسوخًا مع تعاقب الأجيال.
ولقد كان لي من هذه التجربة الشخصية ما أعتز به؛ فحين كنت في ريعان الشباب، ألفت تلك العادة الوطنية المعروفة بـ"التوقيت الإنجليزي".
وفي هذا السياق، فإن المجلس الثقافي البريطاني، وعدد مدارس اللغة الإنجليزية الآخذ في الازدياد، والآفاق الماثلة لإنشاء المزيد من المؤسسات التعليمية البريطانية في سلطنة عُمان، ستعزز هذه الروابط المشتركة، وتوثق هذا التبادل الثقافي عبر السياح البريطانيين الذين يفدون لاكتشاف سحر عُمان وتاريخها الزاخر وثقافتها الأصيلة النابضة بالحياة. وإننا لعلى يقين بأن الأجيال المقبلة ستبني على هذا التواصل الحيوي بين شعبيْنا.
ويطيب لنا في هذا المقام أن نعلن عن الخبر السار بأن صاحب السمو الملكي أمير ويلز قد تفضل بالموافقة على الانضمام إلى جانب صاحب السمو السيد ذي يزن لتولي رعاية الجمعية البريطانية العُمانية.
وإلى جانب التعاون العسكري والتعليمي، يظل التبادل التجاري جسرًا وثيقًا بين بلديْنا؛ إذ تعد بريطانيا منذ عقود عديدة من أكبر شركاء عُمان التجاريين، بل هي أكبر مساهم منفرد في الاستثمار الأجنبي المباشر.
جلالة الملك
بينما تشهد المنطقة الكثير من الصراعات، تنتهج سلطنة عُمان مسارًا مغايرًا، وطريقًا مستقلا؛ إذ نتخذ مواقفنا انطلاقًا من إيماننا بالحوار والتفاهم والسلام؛ فالأمة الحكيمة تختار أن تصغي. وقد ارتأت سلطنة عُمان أن تصغي. وفي ذلك الإصغاء، أدركنا قوة لا تنال بالجيوش.
نحن ننشد الحلول، ونؤمن بالدبلوماسية، والحوار، والعمل الدؤوب لتقريب الأمم، فهذا هو إرثنا. ولطالما كانت بريطانيا صديقًا يُعوَّل عليه في هذا النهج، ووقفت إلى جانبنا في تحمل هذه المسؤولية، لا بالجيوش، بل بالحكمة والرأي السديد.
جلالة الملك
إنَّ ما تولونه من عناية بالشباب وحماية البيئة والحوار بين الأديان يعكس إحساسًا عميقًا بالمسؤولية تجاه المجتمع والأجيال المقبلة، وهي القيم ذاتها التي طالما اعتززنا بها في سلطنة عُمان، والمبادئ التي نجعلها نبراسًا لسياستنا في القيادة وتواصلنا مع العالم.
ويسرنا أن نختتم حديثنا بالدعاء إلى رب العالمين أن ينعم على جلالة الملك بوافر الصحة والعافية والعمر المديد، ويصون علاقات الصداقة بين بلديْنا كصداقة الشمس المشرقة والقمر المنير، لا تنقضي أبدًا من فلك دورتهما".
حضر المأدبة الوفد الرسمي المرافق لجلالة السلطان، وعددٌ من أفراد الأسرة المالكة البريطانية، وكبار المسؤولين.
































