سلطان الخضوري
خلال أعمال مُنتدى عُمان للمحتوى المحلي في نسخته السابعة، الذي تنظمه جريدة الرؤية سنويًا، برزت عبارة تكررت في عدد من النقاشات، وهي "أدوات المحتوى المحلي"، وربما كانت من أكثر العبارات التي أثارت تساؤلات حول ماهية هذه الأدوات، ودورها، ومدى قدرتها على تحقيق المستهدفات الوطنية للمحتوى المحلي.
عندما نقول إننا نُريد زيادة المحتوى المحلي، أو رفع نسبة الإنفاق المحلي، أو تطوير الموردين المحليين، أو زيادة مساهمة المؤسسات الوطنية في المشاريع والاستثمارات، فنحن بذلك نحدد إلى أين نريد أن نصل، وهنا يأتي السؤال الأول: هل لدينا الأدوات؟ فالأداة هي الوسيلة التي تنقل المحتوى المحلي من مستوى السياسة والمستهدفات إلى مستوى التنفيذ الفعلي.
وعندما نتحدث عن المحتوى المحلي، فإن المستهدفات ليست واحدة، فقد يكون الهدف زيادة المشتريات المحلية، أو تطوير موردين محليين، أو جذب استثمارات مرتبطة بالصناعة، أو نقل التكنولوجيا والمعرفة، أو خلق وظائف نوعية، أو الوصول بالمنتجات والخدمات العمانية إلى الأسواق الخارجية.
ومع اعتماد السياسة الوطنية للمحتوى المحلي (2024- 2030) في يناير 2024، والتي تستهدف بناء منظومة وطنية لتنظيم ومتابعة المحتوى المحلي على المستوى الوطني، فإن النقاش حول الأدوات يمثل مرحلة مهمة في تطوير الممارسة. فالمطلوب ليس فقط أن نعرف ما هي الأدوات الموجودة، وإنما أن نعرف أين تستخدم، ومتى تستخدم، وما المستهدف الذي تخدمه، وكيف نقيس أثرها.
وبدأت خلال السنوات الماضية مجموعة من الأدوات في الظهور ضمن منظومة العمل الحكومي والاقتصادي للمحتوى المحلي، وأصبحنا نرى متطلبات للمحتوى المحلي في العقود، وقوائم الإلزامية للمنتجات والخدمات، وسياسات للشراء المسبق، وبرامج لتطوير الموردين، وغيرها من الأدوات التي تهدف إلى زيادة القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد الوطني.
وهنا يظهر السؤال الثاني: هل نستخدم الأداة المناسبة للمستهدف؟ التجارب الدولية تشير إلى أن الإجابة ليست بالضرورة نعم؛ ففي البرازيل وماليزيا- على سبيل المثال- اتخذت سياسات المحتوى المحلي مسارات مختلفة في قطاع النفط والغاز؛ حيث ركزت البرازيل بدرجة أكبر على الإنتاج المحلي والإحلال محل الواردات وخلق الوظائف، بينما اتجهت ماليزيا بصورة أكبر إلى تطوير الموردين والملكية الوطنية وربط الشركات بسلاسل القيمة العالمية. وتوضح دراسة مقارنة منشورة في مجلة "الاقتصاد والسياسة" أنَّ اختلاف الأدوات كان مرتبطًا باختلاف الأهداف والتوجهات الاقتصادية لكل دولة.
وفي الإمارات، أظهرت دراسة أكاديمية حديثة شملت 462 مُورِّدًا في قطاع النفط والغاز أن مُتطلبات المحتوى المحلي يمكن أن ترتبط بمشاركة الشركات متعددة الجنسيات ونقل التكنولوجيا والابتكار، وأن هذه العوامل تسهم في تعزيز تنافسية الموردين على المدى الطويل. وهذا يعني أنَّ الأداة لا ينبغي أن تتوقف عند تحقيق نسبة محلية، وإنما يمكن أن تستخدم لبناء قدرة تنافسية.
لكن هناك جانب آخر مهم؛ ففي دراسة أكاديمية حول المناقصات في الطاقة الشمسية في الهند، شملت 41 مناقصة بقدرة 6 جيجاواط، وجدت أن متطلبات المحتوى المحلي لم تؤدِ إلى زيادة معنوية في براءات الاختراع أو إيرادات الشركات. وربط الباحثون ذلك بصغر حجم الطلب، وضعف فرص التعلم من خلال الإنتاج، وانخفاض مستوى المنافسة. وأوصت الدراسة بأن ترتبط متطلبات المحتوى المحلي بحجم طلب كافٍ، ومتطلبات أداء وابتكار واضحة.
وهنا ربما تكمن الفكرة الأهم بالنسبة لنا في سلطنة عُمان.
إذا كان المستهدف هو زيادة الطلب على منتج محلي موجود؛ فقد تكون متطلبات الشراء أو الأفضلية أداة مناسبة، أما إذا كان المستهدف إنشاء صناعة غير موجودة؛ إذ ربما نحتاج إلى الاستثمار والحوافز والطلب المسبق. وإذا كان المستهدف تطوير مورد محلي، فقد تكون الأداة في تطوير قدراته وتمويله ونقل المعرفة إليه. أما إذا كان المستهدف رفع القدرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا، فلن يكون السوق المحلي وحده كافيًا، وسنحتاج إلى أدوات مرتبطة بالابتكار والجودة والتصدير والاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
لذلك، ربما لا يكون السؤال في المرحلة المقبلة: هل لدينا أدوات للمحتوى المحلي؟ بل هل نستخدم الأداة المناسبة للمستهدف المناسب؟
ومن هنا نُؤكد أنَّ نجاح المحتوى المحلي لا يُقاس بعدد الأدوات التي نملكها، وإنما بقدرتها على تحويل المستهدفات إلى قدرات اقتصادية مستدامة.
