د. هلال بن حمود الصواعي **
يُمثل برنامج «لدائن» للصناعات البلاستيكية، الذي تقوده مجموعة أوكيو، نموذجًا وطنيًا متقدمًا لتعزيز المحتوى المحلي وتنويع القاعدة الإنتاجية في سلطنة عُمان، من خلال تحويل الموارد الطبيعية والمواد الخام إلى منتجات صناعية ذات قيمة مضافة عالية. ويعكس البرنامج التحول الاستراتيجي من الاعتماد على تصدير المواد الأولية إلى بناء صناعات تحويلية متكاملة، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040" في التنويع الاقتصادي وتعزيز مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي.
وتبرز أهمية البرنامج في قدرته على ربط الاستثمارات الكبرى في قطاع البتروكيماويات بفرص استثمارية جديدة في الصناعات التحويلية، حيث نجح، وفق البيانات الواردة عن البرنامج، في توقيع 27 اتفاقية استثمارية تتجاوز قيمتها 85 مليون ريال عُماني، وافتتاح 9 مشروعات باستثمارات تُقدر بنحو 40 مليون ريال عُماني. وتعكس هذه المؤشرات حجم الفرص المتاحة لتطوير الصناعات الوطنية وتعزيز تنافسيتها.
وتتمثل القيمة الاستراتيجية لبرنامج «لدائن» في استكمال سلسلة القيمة الصناعية للبوليمرات، من خلال تحويل مخرجات مجمع البوليمرات التابع لمجموعة أوكيو إلى منتجات نهائية تدخل في قطاعات اقتصادية متعددة، مثل المستلزمات الطبية، والتغليف الغذائي والزراعي، والتطبيقات الصناعية المتقدمة.
ويُسهم هذا التوجه في تعظيم الاستفادة الاقتصادية من الموارد الوطنية، والحد من الاعتماد على استيراد بعض المنتجات النهائية، ورفع القيمة المضافة داخل الاقتصاد العُماني. كما يتيح فرصًا لإنشاء صناعات مساندة تشمل تصميم المنتجات، وتصنيع القوالب، والصيانة الصناعية، والخدمات اللوجستية، والتعبئة والتغليف، بما يعزز الترابط بين القطاعات الاقتصادية المختلفة.
ومن منظور المحتوى المحلي، لا تقتصر أهمية البرنامج على حجم الاستثمارات أو عدد المصانع، وإنما تمتد إلى مقدار الإنفاق الذي يبقى داخل الاقتصاد الوطني، وعدد فرص العمل النوعية التي يتم توفيرها للعُمانيين، وحجم المشتريات من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ومستوى نقل المعرفة والتكنولوجيا إلى الشركات المحلية.
ويمثل برنامج «لدائن» فرصة استراتيجية لتعزيز مشاركة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في سلاسل التوريد الصناعية، سواء من خلال الاستثمار المباشر في الصناعات البلاستيكية أو تقديم الخدمات والمنتجات المساندة للمصانع الكبرى. ويمكن تعظيم هذه الفرص من خلال تبني برامج متخصصة لتطوير الموردين المحليين، وتسهيل حصول المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على التمويل والتقنيات الحديثة، وتأهيلها لتلبية متطلبات الجودة والمواصفات الصناعية. كما أن ربط المستثمرين الكبار بالمؤسسات المحلية من خلال اتفاقيات شراء طويلة الأجل يسهم في إيجاد طلب مستدام على المنتجات والخدمات الوطنية.
ويُعد تطوير رأس المال البشري أحد أهم مرتكزات المحتوى المحلي المستدام. ومن هذا المنطلق، يستطيع برنامج «لدائن» الإسهام في توفير وظائف تخصصية في مجالات هندسة البوليمرات، والتصنيع المتقدم، وإدارة الجودة، والبحث والتطوير، وإدارة سلاسل الإمداد.
ويتطلب تحقيق ذلك بناء شراكات بين المصانع والمؤسسات التعليمية والتدريبية، وربط البرامج الأكاديمية والتقنية بالاحتياجات الفعلية للصناعات البلاستيكية، مع التركيز على التدريب العملي ونقل الخبرات من الشركات العالمية إلى الكفاءات العُمانية.
ويعكس برنامج «لدائن» أهمية التكامل المؤسسي بين مجموعة أوكيو ووزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، والمؤسسة العامة للمناطق الصناعية «مدائن»، والهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة، ووزارة الاقتصاد، والبرنامج الوطني لتنمية القطاع الخاص والتجارة الخارجية «نزدهر».
ويساعد هذا التكامل على تهيئة بيئة استثمارية جاذبة، وتوفير البنية الأساسية والحوافز الصناعية، وتسهيل إقامة المشروعات، وربطها بالأسواق المحلية والخارجية. كما يتيح البرنامج فرصًا لتعزيز الابتكار الصناعي والاستدامة، من خلال تطوير منتجات بلاستيكية عالية القيمة، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، والتوسع في تقنيات إعادة التدوير والاقتصاد الدائري.
ولضمان استدامة الأثر الاقتصادي للبرنامج، من المهم تطوير منظومة متكاملة لقياس المحتوى المحلي تتضمن مؤشرات واضحة، من أبرزها نسبة المشتريات المحلية، وعدد الوظائف النوعية للعُمانيين، وحجم الإنفاق على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وقيمة الصادرات الصناعية، ومستوى نقل التكنولوجيا، ومساهمة الصناعات الجديدة في إحلال الواردات.
كما يمكن الاستفادة من البيانات الصناعية لتطوير مؤشر خاص بالقيمة المحلية المضافة في الصناعات البلاستيكية، يُساعد على قياس الأثر المباشر وغير المباشر للاستثمارات، ويوجه القرارات المستقبلية نحو الأنشطة الأعلى قيمة للاقتصاد الوطني.
إنَّ برنامج «لدائن» لا يُمثل مجرد مبادرة لجذب الاستثمارات في الصناعات البلاستيكية، بل يشكل نموذجًا عمليًا للتحول من استغلال الموارد الطبيعية إلى بناء منظومة صناعية وطنية متكاملة، قادرة على توليد فرص العمل، وتمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الابتكار والصادرات.
والنجاح الحقيقي للبرنامج لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد المصانع أو حجم الاستثمارات، بل بمقدار القيمة الاقتصادية التي يحتفظ بها الاقتصاد العُماني، ومدى مساهمته في بناء قدرات صناعية وطنية مستدامة. ومن هنا، فإنَّ برنامج «لدائن» يقدم تجربة يمكن الاستفادة منها في قطاعات صناعية أخرى، بما يُعزز مكانة المحتوى المحلي بوصفه أداة استراتيجية للتنويع الاقتصادي وتحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040".
** خبير في المحتوى المحلي والتنمية الاقتصادية
