حيدر بن عبدالرضا اللواتي
تلقى سياسة التنويع الاقتصادي اهتمامًا متواصلًا من المؤسسات العامة والخاصة، وتأتي بثمارها على العديد من القطاعات الاقتصادية والتشغيلية في البلاد من خلال إنشاء بعض المشاريع المتميزة في القطاعات الصناعية والسياحية والخدمية والعقارية وغيرها.
ففي المجالات الصناعية الكبيرة يمثّل برنامج "لدائن" للصناعات البلاستيكية أحد النماذج الحديثة للسياسة الصناعية في البلاد، لأنه لا يستهدف إنشاء مصانع بلاستيكية فحسب، وإنما يسعى إلى بناء سلسلة قيمة متكاملة تبدأ من البوليمرات المنتجة محليًا، ثم تحويلها إلى منتجات صناعية ذات قيمة مضافة، وصولًا إلى الأسواق المحلية والإقليمية والعالمية.
وأحد أهم مكاسب "لدائن" هو أن البرنامج لم يعتمد على رأس المال العُماني وحده، بل شاركت عدة استثمارات قادمة من الدول العربية والأجنبية إلى جانب شركات عُمانية في توسيع إنتاج هذه المؤسسات، خاصة وأن هذا الأمر مهم للبلاد باعتبار أن الاستثمار الأجنبي في الصناعات التحويلية يمكن أن يقدّم ثلاثة عناصر في وقت واحد وهي رأس المال الذي يعتبر المصدر الأول للمشاريع، بالإضافة إلى التكنولوجيا التي نحتاج إليها في هذه المؤسسات، وأخيرًا الأسواق التي نأمل التصدير إليها بكل أريحية. وتزداد أهمية هذه الجوانب في إطار الاتفاقيات الجديدة التي توقعها مجموعة أوكيو، حيث تم توقيع اتفاقيات تجاوزت قيمتها 85 مليون ريال عُماني لإنشاء عدد من المشاريع في إنتاج البوليمرات وهي لصناعات التعبئة والتغليف، مثل صناعة زجاجات المشروبات والألياف والعبوات المختلفة، بالإضافة إلى إقامة مشاريع صناعية أخرى.
وهذا التطور يوسع مفهوم "لدائن" من مجرد برنامج للصناعات البلاستيكية إلى منصة لتوطين الصناعات التحويلية. وقد دخل البرنامج مرحلة الإنتاج الفعلي في ديسمبر 2025، مع افتتاح تسعة مصانع في قطاعات متعددة. وتوفّر هذه المصانع فرص العمل والوظائف المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بسلاسل الإمداد والخدمات الصناعية، الأمر الذي يعزّز من فرص القيمة المضافة للمشاريع في داخل الاقتصاد العُماني، بجانب تهيئة فرص المبيعات والصادرات.
ومن المتوقع أن يشهد برنامج "لدائن" افتتاح المزيد من المصانع خلال الفترة المقبلة لتعزيز الصادرات العُمانية إلى العالم؛ فالبرنامج يشمل منتجات متعددة، من بينها مواد التغليف الغذائي والطبي، والأكياس الصناعية، والمركبات البلاستيكية المتقدمة وغيرها. وهذا التنوع يسمح بخدمة قطاعات الغذاء والصحة واللوجستيات والصناعة وغيرها. وقد أكد على أهمية هذه المشاريع صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم-حفظه الله - أثناء زيارة جلالته إلى المنطقة الاقتصادية بالدقم مؤخرًا؛ حيث اطلع جلالته على أعمال هذه المنطقة والمناطق الصناعية في البلاد، وما تقوم به من أجل تعزيز منظومة إقامة التجمعات الصناعية المتخصصة في مختلف الصناعات. وحثّ جلالته بالتركيز على الصناعات الدوائية والأجهزة والمستلزمات الطبية، من أجل تعزيز المنظومة الصحية في البلاد، وتكامل الأنشطة الصناعية في هذا القطاع الحيوي والمهم بالمنطقة، وهي إحدى الأفكار التي تتبناها "لدائن" وتتجسد للعمل في البرامج المتخصصة في الصناعات البلاستيكية.
ولا شكَّ أن هذه الصناعات سوف تحتاج إلى شركات للنقل والتخزين والصيانة والتعبئة والخدمات الهندسية والمختبرات والجودة والأمن الصناعي وتكنولوجيا المعلومات؛ الأمر الذي يُعطي الفرصة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة للولوج في هذه السلسلة كموردين ومقدمي خدمات. وبذلك يمكن أن يتضاعف الأثر الاقتصادي للبرنامج إذا استطاعت هذه المؤسسات الحصول على حصة متزايدة من مشتريات المصانع. كما أن ذلك سوف يُساعد على نقل المعرفة الصناعية وتطوير برامج ورفع كفاءة الصناعات، بجانب تطوير التصنيع الذكي؛ الأمر الذي يعني بأن مستقبل الصناعة العُمانية لن يعتمد فقط على توافر المواد الخام، وإنما على قدرة المصانع على الإنتاج بجودة عالية وتكلفة تنافسية واستخدام التكنولوجيا الحديثة.
وعمومًا.. فإنَّ استمرار تدفق الاستثمارات والتوسع في الصناعات والوصول إلى الأسواق الخارجية سيكون لها الأثر على عدد من المجالات؛ منها تعزيز المحتوى المحلي والقيمة المضافة لهذه المصانع، ورفع قيمة الصادرات غير النفطية، بالإضافة إلى توفير وظائف وفرص صناعية وفنية للعُمانيين، بجانب تطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بسلاسل التوريد، وأخيرًا نقل التكنولوجيا والمعرفة الصناعية وتحسين إنتاجية المصانع؛ الأمر الذي يمكن أن يوسع أثره على الاقتصاد الوطني خلال السنوات المقبلة.
وعليه يمكن القول إنَّ برنامج "لدائن" يمثّل محاولة للانتقال بالاقتصاد العُماني من نموذج تصدير المواد الأولية إلى نموذج تصنيع الموارد داخل سلطنة عُمان. وهذه الأهداف تتوافق بصورة مباشرة مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040" والاستراتيجية الصناعية؛ حيث يمكن النظر إلى "لدائن" باعتبارها نموذجًا جديدًا للسياسة الصناعية في عُمان التي تعمل على استغلال المواد الأولية المحلية، وجذب رأس المال والتكنولوجيا، لإنشاء صناعات تحويلية، وإيجاد سوق للمنتجات، ثم الانتقال إلى عمليات التصدير.
