الرؤية- ريم الحامدية
في الوقت الذي تتجه فيه سلطنة عُمان إلى توسيع قاعدة مشاركتها الاقتصادية والاستفادة من الكفاءات الوطنية في مختلف القطاعات، تواصل المرأة العُمانية ترسيخ حضورها في مجالات تتجاوز الأدوار التقليدية، وصولًا إلى البحث العلمي والأمن السيبراني والحوكمة الاقتصادية والعمل المجتمعي والرياضي. وبينما تعكس الأرقام اتساع مشاركتها في سوق العمل والتعليم، تقدم الإنجازات التي حققتها عُمانيات خلال عام 2026 شواهد على تنوع مجالات التميز، وقدرة الكفاءات النسائية على الوصول إلى منصات التقدير الإقليمي والدولي.
وتأتي هذه الإنجازات بالتزامن مع الاحتفال بيوم المرأة العُمانية، الذي يصادف 17 أكتوبر من كل عام، في مناسبة تستحضر ما حققته المرأة من إسهامات في مسيرة التنمية الوطنية، وتسلط الضوء على الفرص التي يمكن أن تفتح أمامها آفاقًا أوسع للمشاركة والإبداع وصناعة الأثر.
وتشير أحدث البيانات المنشورة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى أن إجمالي عدد الإناث العُمانيات بلغ مليونًا و516 ألفًا و222 أنثى حتى الربع الأول من عام 2026، فيما وصل عدد العُمانيات العاملات إلى 274 ألفًا و587 امرأة، بما يعكس حجم حضور المرأة في النشاط الاقتصادي بمختلف قطاعاته.
وتظهر البيانات أن القطاع الخاص يستحوذ على النصيب الأكبر من تشغيل العُمانيات، بواقع 147 ألفًا و378 عاملة، يليه القطاع الحكومي الذي يضم 107 آلاف و917 عاملة، فيما بلغ عدد العاملات في القطاع العائلي 18 ألفًا و118 عُمانية، مقابل ألف و170 عاملة في القطاع الأهلي.
وتبرز هذه الأرقام أهمية القطاع الخاص بوصفه مساحة رئيسية لاستيعاب الكفاءات النسائية، بالتوازي مع استمرار حضور المرأة في الوظائف الحكومية، وتعدد مجالات عملها في الأنشطة الاقتصادية المختلفة. كما تفتح هذه المؤشرات المجال لمناقشة نوعية الفرص المتاحة للنساء، ومدى قدرتها على توفير مسارات مهنية مستقرة وفرص للتطور الوظيفي والقيادي.
وفي مجال التعليم، بلغ عدد الإناث الحاصلات على مؤهل دبلوم التعليم العام 317 ألفًا و640، فيما وصل عدد الحاصلات على درجة البكالوريوس إلى 170 ألفًا و924 امرأة، وبلغ عدد الحاصلات على درجتي الماجستير والدكتوراه 12 ألفًا و577 امرأة، وفق البيانات المنشورة في أكتوبر 2026.
وتعكس هذه المؤشرات قاعدة تعليمية نسائية واسعة يمكن أن تشكل رافدًا مهمًا لسوق العمل والبحث العلمي والابتكار، خصوصًا مع تنامي الحاجة إلى التخصصات التقنية والعلمية، وارتفاع أهمية المهارات المرتبطة بالتحول الرقمي والاستدامة والاقتصاد المعرفي.
وعلى مستوى المشاركة في مؤسسات صنع القرار، تضم الفترة الثامنة لمجلس الدولة، الممتدة من 2023 إلى 2027، 18 عضوة، فيما تضم الفترة الثالثة للمجالس البلدية، الممتدة من 2022 إلى 2026، عضوة واحدة، وفق الأرقام المنشورة. وتعيد هذه المؤشرات طرح أهمية تعزيز حضور المرأة في مواقع المشاركة العامة، وتوسيع الفرص أمام الكفاءات النسائية للمساهمة في مناقشة الأولويات التنموية وصياغة السياسات.
وفي قطاع يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي والاستدامة الاقتصادية، برز اسم أمينة المرشودي ضمن مبادرة "100 بطلة من بطلات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في مجال النظم الزراعية الغذائية والتنمية الريفية" لعام 2026.
وفي قطاع مختلف تمامًا، حققت الدكتورة شيماء بنت جمعة الهاشمية، محاضرة الأمن السيبراني بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية، إنجازًا دوليًا بفوزها بجائزة "امرأة الأمن السيبراني لعام 2026"، خلال حفل إعلان النتائج الذي أقيم في مدينة فيلدكيرش بإمارة ليختنشتاين في يوليو الماضي. ويكتسب هذا الإنجاز أهمية خاصة في ظل التوسع المتسارع في استخدام التقنيات الرقمية، وتزايد الاعتماد على الأنظمة الإلكترونية في الخدمات الحكومية والمالية والتعليمية والتجارية، وما يصاحب ذلك من تحديات تتعلق بحماية المعلومات ورفع مستويات الأمان الرقمي.
وفي مجال الحوكمة الاقتصادية والقيادة العامة، تُوّجت المكرمة الدكتورة شمسة بنت مسعود بن ناصر الشيبانية، الخبيرة الاقتصادية والباحثة وعضوة مجلس الدولة، بجائزة "أفضل قائدة نسائية في الشرق الأوسط"لعام 2026، ضمن فئة الحوكمة الاقتصادية والقيادة العامة، خلال حفل جوائز القيادة في الشرق الأوسط الذي استضافته إمارة دبي في يونيو الماضي.
وجاء التكريم تقديرًا لإسهاماتها في مجالات التطوير المالي والبحوث الاقتصادية وتمكين المرأة في سلطنة عُمان والمنطقة، في إنجاز يعكس حضور الكفاءات العُمانية في مجالات تتطلب الجمع بين المعرفة الاقتصادية والخبرة البحثية والمشاركة في الشأن العام.
ويتيح إبراز قصص النجاح تقديم نماذج متنوعة للأجيال الشابة، ويؤكد أن مسارات الإنجاز متعددة؛ فقد تكون عبر البحث العلمي، أو تطوير التقنيات، أو العمل الاقتصادي، أو المبادرات المجتمعية والرياضية، وفقًا للقدرات والاهتمامات والفرص المتاحة. وتأتي هذه المسارات منسجمة مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 في تنمية القدرات الوطنية، وتعزيز التنويع الاقتصادي، وتطوير التعليم والابتكار، وتوسيع مشاركة المجتمع في التنمية.
وفي يوم المرأة العُمانية، تبدو الإنجازات التي تحققت خلال العام الجاري أكثر من مجرد محطات للتكريم؛ فهي شواهد على تنوع طموحات المرأة العُمانية، وعلى أهمية الاستثمار في المعرفة والكفاءة وإتاحة الفرص، حتى يتسع أثرها من النجاح الفردي إلى الإسهام في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا ومجتمع أكثر مشاركة وقدرة على مواكبة المستقبل.
