زكريا الحسني
تُعدُّ المرأة النواة الأساسية التي تدور حولها مجرة المجتمع؛ فهي ليست مجرد نصف المجتمع من حيث العدد؛ بل هي المؤثر الأكبر في تكوين نصفه الآخر وتربيته وتوجيهه من رحمها يولد المستقبل وفي كنفها ينشأ الإنسان وتتشكل ملامح شخصيته وبيدها المخلصة تُبنى قيم العطاء والمسؤولية والانتماء ليتمكن الجيل الجديد من الانطلاق بثبات نحو إكمال مسيرة الحياة والبناء الحضاري.
إن تكريم المرأة وتخصيص يوم يُعنى برفع مكانتها ليس مجرد حفل عابر؛ بل هو اعتراف مستحق بالدور الجوهري الذي تضطلع به في استقرار البشرية وازدهار الأوطان.
ولقد منح الشرع الحنيف المرأة منزلة سامية لم تحظ بها في القوانين الوضعية القديمة فقد كرمها الله عز وجل في كتابه العزيز وأعلى من شأنها وعظّم حقها في مختلف مراحل حياتها ومن صور هذا التكريم الإلهي ما جاء في قوله تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) (الإسراء: 23).
وقوله جل وعلا مشيرًا إلى عظم عنائها في التنشئة: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (لقمان: 14).
ولم تقتصر هذه المكانة على النصوص القرآنية؛ بل تجسدت في السنة النبوية المطهرة حيث كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يوصي بالمرأة خيرًا في أوقات السلم والحرب وفي خطبة الوداع قائلًا: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» (رواه البخاري ومسلم).
وحينما سأله رجل عن أحق الناس بحسن صحابته أردف عليه الصلاة والسلام مؤكدًا أسبقيتها بالبر والتكريم: «أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ» (رواه البخاري ومسلم).
والمرأة هي روعة الحياة وجمالها المتجسد في رقتها ولطفها ولأجلها سُطّرت أعذب الكلمات ونُظِمَت أجمل الأشعار فلولا المرأة لما أدركت الحياة معنى الحب ولا عرف الوجود سرّ الإِلف والوداد وإن تتويج المرأة بهذه المنزلة العالية ينبع من تنوع الأدوار التي تؤديها بإتقان ومحبة
فهي: الأم الحنون: التي تفيض حنانًا وتصبر على المشاق لتربية أطفالها على المبادئ والأخلاق الفاضلة، وهي الزوجة السند: التي تشارك زوجها أعباء الحياة وتوفر له السكن والسكينة لتكون شريكة الكفاح والنجاح، وهي الأخت المخلصة والابنة البارة: التي تضفي على الأسرة روح التآلف والرحمة والدفء، وهي الخالة والعمة: اللتان تمثلان امتدادًا للأسرة الكبيرة ومرجعًا للمودة والتكافل الاجتماعي.
إن كل امرأة في هذه الأرض الطاهرة والمباركة تمثل صرحًا من صروح الخير والعطاء سواء كانت ترعى بيتها أو تعمل في الميدان العلمي أو تسهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وتأكيدًا لهذا التكريم المستحق وعلى المستوى الوطني جاءت الرؤية الحكيمة لتصنع نموذجًا يُشار إليه بالبنان في إكرام المرأة وتدشين دورها الشريك في التنمية حيث يُحتفى بيوم المرأة العُمانية في 17 أكتوبر من كل عام، وذلك بناءً على التوجيهات السامية للفقيد السلطان قابوس بن سعيد-طيب الله ثراه- منذ عام 2009 لتكريم المرأة العُمانية والاعتراف بدورها المحوري والشريك الأساسي في مسيرة التنمية المستدامة في سلطنة عُمان.
ولم يكن هذا التخصيص مجرد تكريم رمزي؛ بل كان انطلاقة تشريعية وتنموية شملت كفالة الحقوق وتوفير فرص التعليم والعمل ومشاركتها في اتخاذ القرار جنبًا إلى جنب مع الرجل، واستمرت هذه المسيرة المباركة تحت قيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه؛ لتبقى المرأة العُمانية ركيزة أساسية في تحقيق رؤية عُمان المستقبلية ونهضتها المتجددة.
وفضلًا عن ذلك نبارك للسيدة الجليلة حرم جلالة السلطان المعظم- حفظها الله ورعاها- التي تُعدّ قدوةً ملهمةً للمرأة العُمانية ولها إسهامات وجهود في دعم المرأة العُمانية وتكريمها وتعزيز مكانتها ودورها في مسيرة التنمية والنهضة الوطنية سائلين الله لها دوام التوفيق والسداد.
ولم تكن هذه الرؤية والتمكين مجرد شعارات تُرفع؛ بل تجسدت واقعًا حيًا نراه رأي العين في مختلف الميادين؛ حيث أثبتت المرأة العُمانية جدارتها وألهمت العالم بإبداعاتها وعطائها، واستطاعت ببصيرتها وفكرها الوقاد أن تعتلي منصات التتويج المحلية والدولية.
ومن أبرز تلك النماذج المشرفة:
في المجال الأدبي والروائي: الدكتورة جوخة الحارثية: روائية وأكاديمية عُمانية صنعت تاريخًا أدبيًا فارقًا بفوزها بجائزة "مان بوكر" الدولية عام 2019 عن روايتها المرموقة «سيدات القمر» (Celestial Bodies)، لتكون بذلك أول شخصية عربية تُتوج بهذه الجائزة العالمية الرفيعة مُقدمةً الأدب العُماني والعربي إلى قارئ الساحة العالمية بأبهى صورة.
وفي مجال الشعر والقصيدة الفصيحة: الدكتورة بدرية البدري: شاعرة وكاتبة عُمانية سُجل اسمها بحروف من نور كأول امرأة تفوز بلقب «شاعر الرسول» في تاريخ جائزة كتارا (الدورة الخامسة - نوفمبر 2021) وحصدت المركز الأول في فئة الشعر الفصيح عن قصيدتها العصماء «قنديل من الغار» ممثلةً حضورًا شعريًا ساميًا يعكس عمق الموهبة والأصالة.
وفي مجال الابتكار والعلوم: المبتكرة رزان بنت حمد الكلبانية: نموذج مشرق للشباب العُماني، وحاصلة على المركز الأول والميدالية الذهبية في المعرض الدولي للابتكار بفضل ابتكارها العلمي الفريد للطلاء الممتص للأشعة الكونية وحماية البيئة.
وفي مجال الطب والبحث العلمي: الدكتورة أروى بنت زكريا الريامية: استشارية أولى في أمراض الدم وهندسة نقل الدم وحاصلة على جوائز إقليمية ودولية تقديرًا لبحوثها وإسهاماتها الطبية التي عززت من مكانة السلطنة في القطاع الصحي العالمي.
ختامًا.. إن الاحتفاء بالمرأة لا يقتصر على يومٍ واحد في العام؛ بل هو منهج حياة وثقافة مجتمعية يجب أن تتجسد في التعامل اليومي والدعم المستمر؛ فالمرأة هي الروح التي تبعث الحياة في الأسر والمحرك الذي يدفع عجلة الأوطان نحو التقدم والتطور.
تحية إجلال وتقدير لكل امرأة على وجه هذه الأرض ولكل أم، وزوجة، وأخت، وابنة تواصل غرس بذور الخير لتجني مجتمعاتنا ثمار الاستقرار والازدهار.
