ناصر بن حمد العبري
في ظل التحولات التي يشهدها العالم، وتصاعد التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية والبيئية، تبرز أهمية تطوير منظومة الحوكمة العالمية بما يواكب متغيرات العصر، ويعزز التعاون بين الدول، ويفتح آفاقًا أوسع لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية المستدامة.
وفي هذا السياق، أصدرت الصين في 17 يونيو 2026 كتابًا أبيض بعنوان «حوكمة عالمية أكثر عدلًا وإنصافًا: مبادئ الصين ومقترحاتها وإجراءاتها»، لتوضح من خلاله رؤيتها لمستقبل النظام الدولي، ومقترحاتها بشأن تطوير آليات العمل المشترك بين الدول.
ويُعد الكتاب الأبيض وثيقة رسمية صادرة عن الحكومة الصينية، تهدف إلى عرض موقف الصين من القضايا الدولية، وتوضيح المبادئ التي تستند إليها في دعوتها إلى إصلاح الحوكمة العالمية، وتعزيز دور المؤسسات الدولية في التعامل مع التحديات المشتركة. ولا يقتصر مضمون الوثيقة على طرح الأفكار النظرية، بل يتناول أيضًا المقترحات والإجراءات التي ترى الصين أنها ضرورية لبناء نظام دولي أكثر توازنًا واستجابة لمصالح مختلف الدول والشعوب.
وتستند الرؤية التي يعرضها الكتاب إلى 5 مبادئ رئيسية، تتمثل في المساواة في السيادة بين الدول، واحترام القانون الدولي، والالتزام بالتعددية، ووضع الإنسان في صميم الحوكمة العالمية، والتركيز على تحقيق نتائج عملية. وتعكس هذه المبادئ تأكيد الصين أهمية احترام استقلال الدول وحقوقها، وتعزيز دور الأمم المتحدة، وتوسيع نطاق المشاركة الدولية في صياغة القرارات التي تؤثر في مستقبل البشرية.
ويرتبط الكتاب الأبيض بمبادرة الحوكمة العالمية التي طرحها الرئيس الصيني شي جين بينغ عام 2025، والتي تدعو إلى تطوير منظومة دولية أكثر عدلًا وإنصافًا، وتعزيز التمثيل والمشاركة في المؤسسات العالمية، ولا سيما بالنسبة إلى الدول النامية. وتأتي هذه المبادرة ضمن مجموعة من المبادرات الصينية التي تشمل التنمية العالمية والأمن العالمي والحضارة العالمية، في إطار توجه يسعى إلى تعزيز الترابط بين التنمية والسلام والأمن والحوار بين الحضارات.
ويتناول الكتاب عددًا من القضايا التي باتت تحتل مكانة متقدمة في الأجندة الدولية، من بينها إصلاح المؤسسات المالية الدولية، والتغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والفضاء الإلكتروني، والتجارة الدولية، إلى جانب التحديات التي تواجه النظام الدولي في ظل التنافس بين القوى الكبرى وتزايد الأزمات الإقليمية والدولية.
وتبرز أهمية هذه القضايا في أن الحوكمة العالمية لم تعد مقتصرة على العلاقات السياسية والدبلوماسية، بل أصبحت تشمل مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والبيئة والصحة والتنمية، وهي قطاعات تتطلب تعاونًا دوليًا مستمرًا، وتنسيقًا بين الحكومات والمؤسسات المعنية، بما يضمن الاستجابة للتحديات المشتركة وتحقيق المصالح المتبادلة.
كما يؤكد مضمون الوثيقة أهمية التعددية الدولية بوصفها إطارًا للحوار والتشاور والتعاون، ويطرح ضرورة تعزيز فاعلية المؤسسات الدولية وتطوير قدرتها على التعامل مع الأزمات والمتغيرات العالمية. وتكتسب هذه الدعوات أهمية في وقت تتزايد فيه المطالب بإصلاح النظام الدولي، وتعزيز مشاركة الدول النامية في صنع القرار، وتحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع فرص التنمية والاستفادة من التقدم العلمي والتكنولوجي.
ومن منظور تحليلي، يمثل الكتاب الأبيض مادة مهمة لفهم توجهات السياسة الصينية تجاه النظام الدولي، وطبيعة الدور الذي تطمح الصين إلى أدائه في صياغة قواعد التعاون العالمي. كما يتيح للباحثين والمهتمين بالشؤون الدولية دراسة العلاقة بين المبادئ التي تطرحها بكين والسياسات التي تتبناها في المحافل الدولية، ومدى انعكاس هذه الرؤية على قضايا السلام والتنمية والتعاون بين الدول.
إنَّ القيمة الأساسية لهذه الوثيقة تكمن في طرحها نقاشًا واسعًا حول مستقبل الحوكمة العالمية، وضرورة تطوير آليات العمل الدولي بما يتناسب مع احتياجات الشعوب وتطلعاتها. ويبقى التحدي الحقيقي أمام المجتمع الدولي هو تحويل المبادئ والمقترحات إلى إجراءات عملية قابلة للقياس، تسهم في معالجة الأزمات، وتدعم التنمية المستدامة، وتعزز فرص بناء عالم أكثر استقرارًا وتوازنًا وعدلًا وإنصافًا.
