عقلية المدير التنفيذي الفعّال

 

 

 

نبيل بن حيدر البلوشي

[email protected]

 

تمتلك معظم المؤسسات اليوم استراتيجية واضحة المعالم وأهدافًا طموحة ومكتوبة بعناية، غير أن قليلًا منها فقط ينجح في تحقيق ما خطط له، وفي الغالب لا ترجع الفجوة بين الخطة والنتائج إلى ضعف الفكرة أو قصور التحليل؛ بل إلى ضعف التنفيذ، وهنا تحديدا يتجلى دور المدير التنفيذي بوصفه ليس مصمم الاستراتيجية فحسب، بل المسؤول الأول عن تحويلها إلى واقع ملموس يشعر به العملاء والموظفون والمساهمون على حد سواء.

والتنفيذ في هذا السياق ليس مرحلة تأتي بعد التخطيط وتترك لمن هم أدنى في الهرم الوظيفي، بل هو عقلية تحكم كل قرار يتخذها المدير التنفيذي وكل حوار يديره وكل أولوية يعلنها، وتزداد أهمية هذه العقلية في ظل التحولات المتسارعة في الأسواق والتقنية والتنظيم، حيث لم تعد الميزة التنافسية لمن يضع الخطة الأفضل، بل لمن ينفذها بسرعة وانضباط وقدرة على التكيف مع المتغيرات.

ويقع كثير من مدراء التنفيذ في فخ الاعتقاد بأن دورهم ينتهي عند اعتماد الاستراتيجية وإطلاقها أمام مجلس الإدارة والفرق المعنية، وأن الجهات التشغيلية ستتولى بقية الطريق دون حاجة إلى متابعة دورية، غير أن المدير التنفيذي صاحب عقلية التنفيذ يدرك أن حضوره في التفاصيل الحاسمة ليس تدخلا في عمل الآخرين بل ضرورة تفرضها طبيعة المسؤولية، فهو يعرف أين تتعثر المبادرات، ويطرح الأسئلة الصحيحة، ويتابع المؤشرات الجوهرية بنفسه، ولا يكتفي بالتقارير التي قد تخفي أكثر مما تكشف، بل يخصص جزءا من وقته لزيارة الميدان ومحاورة العملاء والموظفين في الخطوط الأمامية والتحقق بنفسه مما يجري فعلا على أرض الواقع.

ولا تفشل المؤسسات عادة لقلة الأفكار بل لكثرة الأولويات، فحين تتنافس عشرات المبادرات على الموارد والانتباه ذاته تتشتت الجهود ويتباطأ الإنجاز، ولذلك يحرص المدير التنفيذي على تحديد عدد محدود من الأولويات الاستراتيجية وربط كل منها بنتيجة قابلة للقياس ومسؤول واضح ومهلة زمنية محددة، ثم يعلنها بوضوح ويكررها حتى يستوعبها الجميع، والأهم من ذلك أنه يمتلك الشجاعة لقول "لا" لمبادرات جيدة في ذاتها لكنها لا تخدم الاتجاه الاستراتيجي في هذه المرحلة، إدراكا منه أن التركيز في جوهره فن الاختيار، وأن كل مبادرة تضاف دون مقابل تضعف ما سواها.

والانضباط في الإيقاع المؤسسي حيث تتحول الخطط إلى نتائج حين تدار عبر إيقاع منتظم وثابت يشمل اجتماعات مراجعة الأداء الدورية، ولوحات المؤشرات التي تعكس الصورة الحقيقية، وآليات سريعة لتصعيد العقبات ومعالجتها قبل أن تتفاقم وتصل المعلومة إلى صاحب القرار في وقتها المناسب، ويتميز القائد المنفذ بأنه يحمي هذا الإيقاع من الانقطاع ويبقي النقاش مركزا على القرارات والإجراءات لا على عرض المعلومات فقط أو تبرير ما تعثر من أعمال، فالاجتماع الذي لا ينتج قرارا أو التزاما واضحا هو وقت مهدور، والمتابعة التي تقتصر على رصد التأخر دون معالجة أسبابه لا تصنع تحسنا حقيقيا مهما كثرت التقارير وتعددت طريقة عرضها.

وثقافة المساءلة والتمكين ففي الأصل لا يستقيم التنفيذ دون مساءلة، ولا تنجح المساءلة دون تمكين؛ فالمدير التنفيذي الفعال يمنح فرقه الصلاحيات اللازمة لاتخاذ القرار وفي المقابل يتوقع منها الالتزام بالنتائج، ويحرص على أن يكون توزيع المسؤوليات واضحا لا لبس فيه وأن ترتبط المكافآت والتقدير بالنتائج الفعلية لا بالجهد الظاهر، كما يجسد بسلوكه الشخصي ما يطلبه من الآخرين؛ إذ إن التزام القائد بوعوده هو أقوى رسالة تصل إلى المؤسسة بأكملها، وحين يرى الموظفون أن الإنجاز يكافأ وأن التقصير يعالج بعدل وشفافية تترسخ ثقافة يصبح فيها الوفاء بالالتزامات هو القاعدة لا الاستثناء.

الانضباط مع المرونة لا يعني التركيز على التنفيذ الجمود أو التمسك الأعمى بالخطة الأولى، ففي بيئة أعمال سريعة التغير قد تتبدل الفرضيات التي بنيت عليها الخطة، ويتميز المدير التنفيذي المتمكن بقدرته على مراجعة المسار بسرعة عندما تتغير المعطيات مع الحفاظ على وضوح الغاية النهائية، فهو يتعامل مع الإخفاق بوصفه مصدرا للتعلم، ويشجع فرقه على الإفصاح المبكر عن التحديات بدلا من إخفائها، إدراكا منه أن المشكلة المعلنة مبكرا أقل كلفة من المشكلة المكتشفة متأخرا، وبذلك يوازن بين الثبات على الهدف والمرونة في الوسيلة، وهو توازن يميز المدراء التنفيذين الأكثر قدرة على الوصول إلى النتائج.

تنفذ الاستراتيجيات عبر البشر قبل الأنظمة، ولذلك يولي المدير التنفيذي أكبر قدر من وقته لاختيار القادة الذين يمتلكون سجلا حقيقيا في تحقيق النتائج وليس مجرد مهارة في العرض والإقناع، ويستثمر في بناء قدرات فريقه الأول، ويتعامل بحسم مع فجوات الأداء التي تعرقل الإنجاز، فالتساهل مع ضعف التنفيذ في المناصب القيادية ينتقل أثره سريعا إلى مختلف المستويات ويضعف مصداقية الاستراتيجية أمام العاملين ويكلف المؤسسة وقتا وفرصا يصعب تعويضها.

وفي نهاية المطاف لا يقاس نجاح المدير التنفيذي الفعال بجودة الاستراتيجية التي يعرضها بل بقدرته على تحقيقها، وعقلية التنفيذ ليست موهبة فطرية بل ممارسة قيادية يمكن اكتسابها وتطويرها عبر الانضباط والتركيز والمساءلة، والمؤسسات التي ترسخ هذه العقلية من القمة هي التي تبني ميزة تنافسية مستدامة، لأن الاستراتيجية يمكن تقليدها أما القدرة على التنفيذ فهي ما يصعب على المنافسين استنساخه، وحين تتحول عقلية التنفيذ إلى عادة يومية لدى القيادة العليا ينعكس ذلك على سلوك المؤسسة بأكملها، فتصبح القرارات أسرع والمسؤوليات أوضح والنتائج أكثر قابلية للتنبؤ والاستدامة، ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يبدأ به كل مدير تنفيذي ليس "ماذا نريد أن نحقق؟" فحسب، بل "كيف سنضمن أن يتحقق ذلك فعلا؟".

** خبير اقتصادي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z