أقرأُ كي لا أموت في حياة واحدة

 

 

 

 

محمد بن أنور البلوشي **

"وماذا بعد؟" هكذا سألني أحدهم حين طرحت عليه سؤالًا بدا له غريبًا بعض الشيء: "ماذا لو كانت القراءة وظيفتك بدوام كامل؟" حدّق في وجهي لحظة، وكأنه يحاول أن يفهم أيّ وظيفة تلك التي أتحدث عنها. فالوظيفة، كما اعتدنا أن نفهمها، تعني مكتبًا وجدرانًا، وطاولةً تتراكم فوقها الأوراق، واجتماعات لا تنتهي، وأهدافًا ينبغي تحقيقها، ومواعيد تلاحقنا، وراتبًا ننتظره في نهاية كل شهر. ولكن ماذا لو كانت وظيفتك أن تقرأ فحسب؟ أن تستيقظ مع أول خيط من نور الصباح، وتُعدّ قهوتك أو شايك، ثم تفتح كتابًا، وتبدأ يومك العملي لا بين ضجيج المكاتب، بل في رحاب الفكر، حيث تتحول الصفحات إلى نوافذ تطل منها على أرواح لم تعرفها، وعصور لم تعشها، وعقول رحلت عن الدنيا لكنها لم تغادر الحياة.

مضى حديثنا إلى موضوعات أخرى، غير أن السؤال ظل يرافقني كظلّ لا يفارق صاحبه. تخيّل أن تتقاضى أجرًا، لا لأنك بعت سلعة، أو أدرت مؤسسة، أو راجعت حسابات، أو أنتجت شيئًا ماديًا، بل لأنك أمضيت ساعات يومك في صحبة أعظم العقول التي أنجبتها الإنسانية. اليوم تجلس مع فريدريك نيتشه، تصغي إلى تمرده على المسلّمات، وغدًا تسافر مع ليو تولستوي إلى أعماق النفس البشرية، وفي صباح آخر تنصت إلى أمير الشعراء أحمد شوقي، وهو يعيد للكلمات هيبتها وللعاطفة سلطانها، ثم تقضي ظهرك في حوار صامت مع كارل ماركس، تناقشه في رأس المال والعمل والطبقات والسلطة. فقُل لي: أيّ إنسان ستصبح لو عشت هذه الرحلة كل يوم؟ وهل ستبقى الشخص نفسه بعد أن تمرّ في عقلك كل تلك العقول، وفي قلبك كل تلك التجارب؟

عندئذٍ لن تعود القراءة هواية نمارسها حين يتبقى لنا شيء من الوقت، بل ستصبح مهنة العقل، وربما عبادةً فكريةً يتقرّب بها الإنسان إلى الحقيقة. سيكون مكتبك بلا جدران، وحدوده أبعد من الجغرافيا والتاريخ. ففي يوم تجد نفسك في روسيا القرن التاسع عشر، تتجول في عالم تولستوي، حيث تتصارع الأخلاق والحرب والحب والأسرة وتناقضات الإنسان. وفي يوم آخر يأتيك نيتشه ليزعزع يقينك الهادئ، ويوقظ في داخلك أسئلة كنت تخشى مواجهتها. ثم يأخذك أحمد شوقي إلى عالم تستطيع فيه قصيدة واحدة أن تختصر تاريخ أمة، أو وجع إنسان، أو روح عصر بأكمله، بما تعجز عنه مجلدات من التحليل. أما ماركس، فيدعوك إلى تأمل العلاقة المعقدة بين العامل وصاحب رأس المال، وبين الثروة والعدالة، وبين من يملكون وسائل الإنتاج ومن لا يملكون سوى قوة أيديهم. وقد تختلف معه، ولكن الاختلاف ذاته قد يصبح بداية المعرفة.

ولعل أجمل ما تمنحه القراءة الجادة للإنسان أنها لا تشترط عليه أن يوافق الكاتب فيما يقول؛ فالقراءة ليست عقد ولاء للأفكار، ولا إعلان طاعة لأصحابها، وإنما هي شجاعة الدخول إلى عقول الآخرين دون الخوف من الاختلاف معهم. يستطيع القارئ أن يقضي يوم الاثنين مع اشتراكي، والثلاثاء مع رأسمالي، والأربعاء مع شاعر، والخميس مع عالم نفس، والجمعة مع روائي، ثم يصل إلى نهاية الأسبوع وقد ازدادت أسئلته أكثر مما ازدادت إجاباته. ولكن هل كثرة الأسئلة علامة ضياع؟ أم أنها بداية النضج الفكري؟ أليس الإنسان الذي يظن أنه عرف كل شيء أقرب إلى الجهل من ذلك الذي يعترف بأنه ما زال يتعلم؟ ربما لا يبدأ الوعي الحقيقي حين نعثر على الإجابة، بل حين نتعلم كيف نطرح سؤالًا أكثر عمقًا وجمالًا.

ثم تأتي الرواية، ذلك العالم الذي يظنه البعض مجرد وسيلة للتسلية وتمضية الوقت. وأنا لا أوافقهم الرأي؛ فالرواية العظيمة قد تعلمنا عن الحياة ما لا يستطيع كتاب في الاقتصاد، أو دليل في الإدارة، أو محاضرة في الفلسفة أن يعلمنا إيَّاه. ففي الرواية ندخل إلى خوف إنسان آخر، ونعيش فقره وطموحه ووحدته وحبه وانكساره وأمله. نرتدي، ولو لساعات، حياة ليست حياتنا، ونبكي على أحزان لم تحدث لنا، ونفرح بانتصارات لم نحققها. وحين نقرأ دوستويفسكي، مثلًا، فإننا لا نقرأ مجرد حكايات عن شخصيات روسية، بل نواجه أسئلة الضمير والذنب والحرية والمعاناة، ونكتشف أن الإنسان قد يكون سجّان نفسه قبل أن تسجنه جدران العالم. فالكتب الفكرية تمنحنا الحقائق والنظريات والتاريخ والحجج، أما الروايات فتمنح تلك الحقائق وجهًا إنسانيًا، وتضع قلبًا نابضًا خلف كل فكرة.

تخيّل الآن لو كانت القراءة عملك اليومي، كم من المعرفة ستجمع بعد سنة واحدة؟ وماذا بعد خمس سنوات؟ وكيف سيكون عقلك بعد عشرين عامًا من العيش بين الكتب؟ ولكن هل المعرفة وحدها تكفي لصناعة الإنسان الحكيم؟ قد يقرأ المرء ألف كتاب، ثم يخرج منها دون أن يفهم شيئًا عن الحياة. وقد يحفظ نظريات الفلاسفة جميعًا، لكنه يعجز عن فهم دمعة فقير أو صمت إنسان حزين. فالمسألة ليست في عدد الكتب التي نقرأها، وإنما فيما تفعله تلك الكتب بنا. هل نسمح للأفكار بأن تهزّ قناعاتنا؟ هل نقارن ما نقرأه بما نعيشه؟ هل نملك الجرأة على مساءلة الكاتب، حتى وإن كان فيلسوفًا عظيمًا؟ وهل نستطيع تغيير آرائنا حين تفرض علينا الحقيقة ذلك؟ والأهم من هذا كله، هل تجعلنا القراءة أكثر قدرة على فهم أولئك الذين لا يفكرون مثلنا؟

لقد قيل إنَّ المعرفة قوة، وأنا أرى أنها قد تصبح سلاحًا، ولكن ليس سلاحًا نرفعه في وجوه الآخرين، بل سلاحًا نحمي به عقولنا من الجهل والتضليل والتعصب والتبعية الفكرية؛ فالإنسان الذي يقرأ كثيرًا، ويقرأ بوعي، يصعب أن يُسجن داخل فكرة واحدة، أو أن يُقاد خلف رأي دون أن يسأل عن حقيقته. وكلما اتسعت قراءاته، أدرك أن العالم أعقد من الشعارات، وأن الحقيقة أكبر من أن يحتكرها فيلسوف أو حزب أو نظام اقتصادي أو سياسي. وربما تكمن المفارقة الجميلة في القراءة في أنك كلما ازددت علمًا، ازددت إدراكًا لاتساع جهلك. فكل كتاب يفتح بابًا، وخلف ذلك الباب عشرة أبواب أخرى، حتى تكتشف أن المعرفة ليست محطة تصل إليها، بل طريق لا نهاية له.

وهنا أعود إلى السؤال الذي بدأ منه حديثنا: ماذا لو كانت القراءة حقًا وظيفتك بدوام كامل؟ ربما لن تصبح ثريًا، ولن يمنحك أحد ترقية، ولن تتزين بطاقتك الشخصية بمسمّى وظيفي يثير إعجاب الآخرين. وربما لن يكون لك مدير يقيّم أداءك، ولا مؤسسة تمنحك شهادة تقدير في نهاية العام. ولكنك ستستيقظ كل صباح لتلتحق بأعظم مؤسسة عرفتها البشرية، مؤسسة لا يحدّها مكان ولا يقيّدها زمان، اسمها "العقل الإنساني".

هناك ستجلس مع الأحياء والأموات، وتحاور من سبقوك بقرون، وتستمع إلى أصوات أسكتها الموت لكنها ما زالت تتحدث من خلال الكتب. وستكتشف أن بعض الذين رحلوا عن هذه الدنيا أكثر حضورًا في حياتنا من كثيرين يعيشون بيننا، وأن الكلمات قد تمنح صاحبها حياة أطول من عمره.

وفي نهاية يومك العملي، حين تغلق كتابك وتطفئ مصباحك، لن تنتظر راتبًا يُحوّل إلى حسابك المصرفي، ولن تقلق من قرار فصل أو انتهاء عقد عمل. فقد قبضت أجرك بالفعل، أجرًا لا يستطيع صاحب عمل أن يسترده، ولا تستطيع أزمة اقتصادية أن تخفض قيمته، ولا تستطيع السنوات أن تنتزعه من ذاكرتك بسهولة.

ذلك الأجر هو المعرفة.

وربما يكون أجمل ما في هذه الوظيفة أنك لا تتقاعد منها أبدًا، لأن العقل الذي اعتاد القراءة لا يعرف سنّ التقاعد، والروح التي عشقت المعرفة لا تشيخ بالطريقة التي تشيخ بها الأجساد؛ فبعض الناس يقضون أعمارهم يعملون من أجل أن يعيشوا، أما القارئ الحقيقي، فإنه يعيش أعمارًا كثيرة داخل عمر واحد.

** محاضر الاقتصاد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z