بحضور نحو 50 شخصية من رموز السياسة والصحافة والثقافة في القاهرة

عُمان حاضرة في أجواء أمسية تكريم الدكتور مجدي العفيفي وإطلاق صالونه الفكري الشهري

 

الرؤية- القاهرة

احتضنت العاصمة المصرية القاهرة، احتفالية ثقافية كرّمت الكاتب الصحفي والمفكر الدكتور مجدي العفيفي، وشهدت إطلاق «صالون الدكتور مجدي العفيفي الفكري» بوصفه ملتقى ثقافيًا شهريًا للحوار وتبادل الرؤى.

وفي أجواء الأمسية، حضرت سلطنة عُمان بقوة في الشهادات والذكريات والحوارات التي استحضرت سنوات العفيفي في مسقط، وما تركته تلك المرحلة من أثر في تجربته المهنية والإنسانية، وفي علاقاته بالصحافة والثقافة العربية. وهكذا امتد فضاء الاحتفالية من القاهرة إلى مسقط، عبر سيرة مهنية وإنسانية احتلت فيها عُمان مساحة مهمة من العمر والعمل والذاكرة.

ا1.jpeg
 

وتجلّى الحضور العُماني في استعادة تجربة امتدت لسنوات، وتقاطعت خلالها مسيرة العفيفي مع تجارب صحفيين وباحثين وشخصيات عرفت مسقط وعاشت جانبًا من حياتها الثقافية والإعلامية. فقد جمعت الأمسية أسماءً وخبرات تتصل بعالم الصحافة والعمل الفكري، وكان من بين المشاركين من ارتبطت تجاربهم المهنية أو الشخصية بسلطنة عُمان، الأمر الذي منح اللقاء امتدادًا يتجاوز حدود المكان الذي استضافه، ويصل بين ذكريات العمل في مسقط ولقاءات الحاضر في القاهرة. وبدا هذا التداخل بين التجارب شاهدًا على أن الصلات التي تنشأ عبر العمل والثقافة تظل قادرة على جمع أصحابها، مهما تباعدت البلدان والسنوات.

وفي الأمسية التي كرّمته خلالها مؤسسة وجريدة «المشاهير»، تداخلت استعادة المرحلة العُمانية مع الحديث عن رحلة العفيفي المهنية والفكرية الممتدة لأكثر من خمسة عقود. وتقدمت سنوات مسقط في سياق هذه الرحلة بوصفها فصلًا مميزًا، اتسعت فيه الخبرة الصحفية، وتنوعت العلاقات المهنية والإنسانية، وتعزز التواصل مع المشهد الثقافي العربي. وقد أعادت الشهادات والمداخلات إضاءة جوانب من تلك المرحلة، وربطتها بما تلاها من تجارب في الصحافة والكتابة والعمل الإعلامي، لتبدو السيرة مسارًا متصلًا تتجاور فيه الخبرة المصرية والعربية، وتتفاعل فيه محطات العمر لتصنع رؤية أوسع للمهنة والحياة.

وتكتسب هذه الزاوية أهمية خاصة للقارئ العُماني؛ فعُمان حاضرة في التجربة التي يستعيدها العفيفي، بما تمثله من سنوات عمل ومعرفة ولقاءات، وبما تركته من روابط مهنية وإنسانية استمرت آثارها بعد انتهاء الإقامة. ومن هنا يأتي نشر هذا الموضوع في الصحافة العُمانية امتدادًا طبيعيًا لحدث استعاد جانبًا من هذه التجربة، وفرصةً لتقديم سيرة عربية مشتركة تتجاوز حدود البلد الواحد، وتكشف كيف تتداخل تجارب الصحفيين والمثقفين عبر العواصم، وكيف تظل العلاقات التي تنشأ في فضاء العمل والثقافة حاضرة في الذاكرة وفي اللقاءات اللاحقة.

وفي موازاة استعادة الماضي، شهدت الأمسية إطلاق «صالون الدكتور مجدي العفيفي الفكري»، الذي يستهدف عقد لقاءات شهرية تجمع المفكرين والصحفيين والإعلاميين والأدباء والباحثين والمثقفين من اتجاهات متنوعة. وقد منح إطلاق الصالون المناسبة بُعدًا يتطلع إلى المستقبل؛ فإلى جانب تكريم مسيرة صحفية وفكرية طويلة، انطلقت مبادرة ثقافية تسعى إلى جعل الحوار ممارسة متجددة، وتوفير مساحة لتبادل الخبرات ومناقشة قضايا الثقافة والمجتمع والإعلام. وبين القاهرة ومسقط وعواصم عربية أخرى، تتجلى في هذه التجربة قيمة التواصل الثقافي الذي لا يتوقف عند حدود المكان، بل يتجدد كلما التقت الخبرات وتبادلت الرؤى.

ويمنح الحضور العُماني هذه المناسبة وجهًا يتجاوز خبر التكريم وإطلاق الصالون؛ إذ يستعيد جانبًا من سيرة عربية مشتركة، تتجاور فيها تجربة العمل مع الصداقة والمعرفة والثقافة. فقد كانت مسقط جزءًا من رحلة العفيفي، وظلت سنواتها حاضرة في صلاته المهنية والإنسانية، كما كشفت الأمسية عن امتداد هذه الصلات في تجارب عدد من المشاركين. ومن ثمّ، تبدو الحكاية جديرة بأن تُروى من القاهرة ومسقط معًا: احتفالية تكرّم مسيرة، ومبادرة تفتح بابًا جديدًا للحوار، وتجربة تؤكد أن ما تصنعه الثقافة بين الناس والبلدان يظل حيًا، متجددًا، وقادرًا على وصل المسافات.

وجاء حفل التكريم الذي نظمته مؤسسة وجريدة «المشاهير» المصرية، بالتعاون مع «مركز الإعلام العربي الأمريكي في نيويورك»؛ بحضور نحو 50 شخصية من رموز الصحافة والفكر والأدب والإعلام والعمل المجتمعي.

 

وقدّم درع «المشاهير» الإعلامي ناجي وليام رئيس تحرير الجريدة، بمشاركة الكاتب أحمد محارم، وقالا: "لم يكن الدرع في دلالته مجرد تكريم رمزي، بل مناسبة لاستعادة تجربة مهنية تشابكت فيها الصحافة بالفكر، والعمل اليومي بالأسئلة الكبرى، والكتابة بمسؤولية الكلمة وأثرها في الوعي العام".

وفي هذا المشهد الاحتفائي الذي يبرز نماذج النجاح والتميز، ويؤكد دور القوى الناعمة والكفاءات المصرية في صناعة الوعي وبناء المستقبل، قدّمت المذيعة والإعلامية مريم عوض كلمة تعريفية استعرضت خلالها المسيرة المهنية والفكرية للكاتب الصحفي والمفكر الدكتور مجدي العفيفي، وذلك بمناسبة تدشين الصالون الفكري الأول المخصص للاحتفاء بتجربته وإسهاماته الثقافية والإعلامية.

وأكدت أهمية الدور الذي تضطلع به «جريدة المشاهير»، بالتعاون الاستراتيجي مع «مركز الإعلام العربي الأمريكي بنيويورك»، في تسليط الضوء على النماذج الوطنية المضيئة، وإبراز الكفاءات المصرية التي تركت بصمات واضحة في مجالات الصحافة والفكر والثقافة، مشيرة إلى أن العفيفي يمثل نموذجًا مهنيًا وفكريًا متميزًا، استطاع أن يحمل اسم مصر إلى آفاق عربية ودولية واسعة.

وقالت إن ضيف الصالون ليس مجرد صحفي يراقب الأحداث، بل مفكر وناقد وأكاديمي عاش الكلمة موقفًا ورؤية، وحمل القلم أمانة ورسالة، وقدم نموذجًا للإعلامي الذي يجمع بين الخبرة المهنية والعمق الثقافي والالتزام الأخلاقي.

واستعرضت عوض أبرز محطات مسيرته الصحفية، التي بدأت عام 1976 في دار «أخبار اليوم» بالقاهرة؛ حيث تولى مناصب تحريرية بارزة، من بينها رئاسة تحرير جريدة «أخبار الأدب»، ونائب رئيس تحرير جريدة «الأخبار».

وأشارت إلى أن انتقاله إلى سلطنة عُمان عام 1984 شكّل محطة مهمة في مسيرته؛ إذ عايش النهضة العُمانية الحديثة، وأسهم في المشهد الإعلامي والثقافي من خلال عمله مستشارًا إعلاميًا في مكتب السلطان قابوس بن سعيد، ورئيسًا لتحرير جريدة «الشبيبة»، ومديرًا لتحرير مجلتي «السراج» الثقافية و«المرأة العُمانية».

وأضافت أن خبرته امتدت إلى تمثيل مؤسسات صحفية عربية ودولية، من خلال إدارة مكاتب عدد من الإصدارات، بينها «فوربس» الأمريكية، و«المجلة» اللندنية، و«أخبار اليوم»، و«السياسة» الكويتية، و«زهرة الخليج»، فضلًا عن عمله مستشارًا إعلاميًا وخبيرًا بوزارة الاتصالات.

وتطرقت عوض إلى خلفيته الأكاديمية، موضحة أنه حاصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الأدب الحديث والنقد الثقافي من جامعة القاهرة، كما أنه عضو بنقابة الصحفيين واتحاد كتاب مصر، وقد أثرى المكتبة العربية بأكثر من عشرين كتابًا تنوعت موضوعاتها بين السياسة والثقافة والفكر والنقد والأدب والصحافة.

وفي استعراضها لإنتاجه الفكري، أشارت إلى عدد من مؤلفاته البارزة، وفي مقدمتها «بصمة الفكر.. أوراقهم لي بخط أيديهم»، الذي يضم مخطوطات ووثائق نادرة لكبار الأعلام والمفكرين والكتاب، ويقع في نحو ألف صفحة، إلى جانب «الأبعاد المتجاورة في فكر السلطان قابوس»، و«خطاب الإعلام العُماني.. الرؤية والأداة»، و«منظومة النور والخير والجمال»، فضلًا عن مؤلفاته المتعلقة بالمرأة والمجتمع العُماني.

كما استعرضت إسهاماته في النقد والأدب، ومنها «علم السرد»، و«دراسة في روايات يوسف إدريس»، و«البناء الفني في القصة القصيرة»، و«استراتيجية العنوان في الرواية»، و«العتبات النصية في الرواية»، مشيرة إلى اهتمامه بتوثيق التجارب الفكرية والثقافية، وهو ما تجلى في كتابيه «مذكرات أنيس منصور.. حكيت وبكيت» و«آخر 200 يوم مع أنيس منصور»، إلى جانب كتاب «في عين الشمس».

ولفتت إلى حضوره في مجال الإبداع الشعري من خلال أعمال من بينها «عبّاد يتحرر من الشمس»، و«الحجاج لا يزال حيًا»، و«نفسي الأمارة بالشعر»، و«حتى مطلع الحب»، مؤكدة أن هذا التنوع يعكس اتساع اهتماماته وقدرته على الانتقال بين حقول معرفية وإبداعية متعددة.

وأكدت مريم عوض أن ما يميز العفيفي لا يقتصر على غزارة إنتاجه وتنوع مناصبه، بل يمتد إلى شخصيته الإنسانية وأخلاقه المهنية ومصداقيته الصحفية، التي جعلت اسمه مرتبطًا بالنزاهة والموضوعية والعمق والالتزام الأخلاقي.

وقالت إن الصحافة بالنسبة إليه لم تكن يومًا مجرد مطاردة لسبق عابر، وإنما كانت بحثًا مستمرًا عن الحقيقة، وسعيًا إلى بناء الوعي، وانتصارًا لقيم الجمال والحرية والفكر التنويري، وهو ما عزز مكانته في الأوساط الصحفية والثقافية، وجعل تجربته نموذجًا يُحتذى في الشرف المهني والأمانة الصحفية.

واختتمت الإعلامية مريم عوض كلمتها بالإشارة إلى ما حظيت به مسيرة العفيفي من تكريمات وشهادات تقدير ودروع من مؤسسات رسمية وثقافية، معتبرة أن الاحتفاء به يمثل تقديرًا لتجربة ممتدة تجاوز أثرها حدود المهنة إلى مجالات الفكر والثقافة والإبداع.

وأكدت أن تدشين الصالون الفكري الأول باسم الدكتور مجدي العفيفي يأتي احتفاءً بقامة صحفية وفكرية عربية، وتكريمًا لعطاء مهني وثقافي أسهم في إثراء المكتبة العربية، وترسيخ قيم الصحافة المسؤولة، وفتح آفاق أوسع للحوار الفكري والثقافي.

من الاحتفاء إلى الفعل الثقافي

ومثّل تدشين «صالون الدكتور مجدي العفيفي الفكري» المحطة الأبرز في الانتقال من الاحتفاء بالماضي إلى تأسيس مساحة جديدة للعمل الثقافي في الحاضر. فالصالون، وفق التصور المعلن، ملتقى شهري يستضيف مفكرين وصحفيين وإعلاميين وشعراء وأدباء وباحثين ومثقفين من اتجاهات متعددة، ليتحول إلى ساحة للحوار وتبادل الخبرات ومناقشة قضايا الثقافة والمجتمع والإعلام.

ولا يقوم المشروع على فكرة اللقاء الاجتماعي وحدها، وإنما على استعادة الدور الحيوي للصالونات الفكرية في الحياة العامة؛ إذ تستطيع، متى توافرت لها حرية النقاش وصدق التفاعل وتنوع المشاركين، أن تفتح مسارات للحوار لا تتيحها أحيانًا المنابر التقليدية، وأن تقرّب بين أصحاب الرؤى المختلفة بدلًا من أن تتركهم في جزر منفصلة.

وقد جاء اختيار المنزل مقرًا للصالون متسقًا مع طبيعته؛ فالمكتب الخاص في فيلا العفيفي بالتجمع الخامس لم يكن مجرد مكان لاستضافة احتفالية، بل أصبح نقطة انطلاق لمبادرة يُنتظر أن تتواصل لقاءاتها شهريًا، وأن تتسع موضوعاتها وفقًا لأسئلة الواقع واحتياجات الثقافة العربية.

وبهذا المعنى، لم يكن تدشين الصالون خاتمة لاحتفالية التكريم، بل بداية لمشروع ثقافي يُقاس أثره بما يتيحه من نقاشات، وما يطرحه من أسئلة، وما يجمعه من تجارب وخبرات قادرة على إثراء المجال العام.

بناءً على طلب لجنة التكريم، انتقل الدكتور مجدي العفيفي من موقع المحتفى به إلى موقع الشاهد على تجربة مهنية وفكرية ممتدة، استعاد خلالها محطات من مسيرته التي توزعت بين الصحافة والكتابة والعمل الإعلامي، وبين مصر والخليج، ومن صفحات الجرائد إلى فضاءات الفضائيات، وصولًا إلى الكتب والبرامج والأفلام الوثائقية.

واختار العفيفي أن ينظر إلى تجربته من «شرفة عامه السبعين»، لا باعتبارها وقوفًا عند رقم في سجل العمر، بل فرصة لمراجعة ما أنجزه وما تركه من أثر؛ فالعمر لا تقيسه السنوات وحدها، وإنما ما يراكمه الإنسان من وعي، وما ينجزه من فعل، وما يتركه من تأثير في الآخرين وفي المجال الذي انتمى إليه. ومن هذه الشرفة، بدت سنوات العمل سلسلة من المحطات المتداخلة، تتقدم فيها الأسئلة على الإجابات الجاهزة، وتظل الكلمة محورًا تتجمع حوله الخبرة المهنية والتأمل الشخصي.

وبدأت الحكاية من الصحافة، تلك «الندّاهة» التي استدعته إلى عالم الكلمة، وغلب نداءها على مسارات أخرى كان يمكن أن يسلكها، فانتقل من الجامعة إلى المهنة التي سرعان ما أصبحت جزءًا من تكوينه اليومي والفكري. ولم يكن ذلك الانتقال مجرد اختيار مهني، بل بداية علاقة طويلة مع عالم تتقاطع فيه الوقائع والأفكار والناس، وتتجدد فيه الأسئلة بتجدد الأحداث وتحولات المجتمع.

لقد وجد العفيفي في الصحافة أكثر من وظيفة أو وسيلة للارتزاق؛ وجد فيها مجالًا مفتوحًا للاكتشاف والمساءلة، ومساحة للاحتكاك المباشر بالحياة في تنوعها واضطرابها، وفرصة لقراءة ما وراء الخبر، والبحث عن المعاني التي لا يكشفها ضجيج اللحظة. فالصحفي لا يعمل خارج زمنه، ولا يكتب في فراغ؛ إنه يواجه الوقائع وهي تتغير، ويحاول أن يفهم صلاتها بالسياسة والمجتمع، وأن يميز بين ما يفرضه الحدث العابر وما يستحق أن يبقى في الذاكرة.

ومع امتداد السنوات، تحولت الصحافة إلى ما يشبه الشفرة الداخلية التي تنتظم حولها جوانب كثيرة من حياته، وتصل بين فضوله المعرفي ورغبته في الفهم وقدرته على التعبير. ومنها اتسعت علاقته بالكتابة، فلم تعد الكلمة مجرد أداة لنقل الوقائع، بل وسيلة لطرح الأسئلة، ومراجعة المسلمات، والاقتراب من الإنسان خلف الحدث. وظل السؤال حاضرًا في قلب التجربة: ماذا تفعل الكلمة في وعي القارئ؟ وكيف تتجاوز الخبر العابر لتصبح معرفة، وتتخطى وصف الواقع إلى مساءلته؟ هكذا غدت «ندّاهة» الصحافة أكثر من بداية مهنية؛ أصبحت خيطًا ممتدًا في حياته، وشفرة تصل بين المهنة والفكر والإنسان.

ومع الانتقال إلى العمل في الخليج، ولا سيما سنواته في سلطنة عُمان، اتسعت خريطة التجربة، والتقت الخبرة الصحفية المصرية بفضاء عربي أرحب، تعددت فيه البيئات المهنية والثقافية والعلاقات الإنسانية. ولم يكن السفر انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل توسعًا في زاوية النظر، واختبارًا لاختلاف المجتمعات وتنوع أسئلتها، وفرصة لبناء جسور بين الخبرات العربية.

وقد أتاحت هذه المرحلة للعفيفي الاقتراب من تجارب صحفية وإعلامية متعددة، وبناء علاقات مع شخصيات وأقطاب في المهنة من المصريين والعرب، بما أضاف إلى خبرته المهنية أبعادًا ثقافية وإنسانية. ومن هنا تشكل إدراك أوسع لما يجمع بين البيئات العربية وما يميز بعضها من بعض، وللدور الذي تستطيع الصحافة أن تؤديه في تقريب المسافات وتبادل المعرفة والخبرات.

في محطة التأليف، لم تظهر الكتب مجرد قائمة منجزات، بل مرايا لمراحل العمر وتحولات الرؤية وأسئلة المعرفة. فقد تنوعت مؤلفات الدكتور مجدي العفيفي بين الإعلام والصحافة والأدب والمرأة والمجتمع، ومن بينها: «في الطابق السادس بالأهرام.. كانت لنا أيام»، و«منظومة المرأة العمانية في السياسة والثقافة والمجتمع»، و«في عين الشمس»، و«الأبعاد المتجاورة»، و«آخر 200 يوم مع أنيس منصور»، و«لذة القص في روايات يوسف إدريس»، و«لغة الأعماق البعيدة: فن القصة عند يوسف إدريس»، و«عبّاد يتحرر من الشمس»، و«المرأة والسياسة»، و«محاضرات في نظريات الإعلام»، إلى جانب مؤلفات أخرى.

ويكشف هذا التنوع عن مسار لم يحصر المعرفة في مجال واحد، بل تعامل مع الثقافة باعتبارها شبكة مترابطة من الأسئلة والحقول؛ فتجاورت قراءة الأدب مع توثيق التجارب، وتأمل المجتمع مع الاشتغال بقضايا الإعلام والمرأة. ولم تكن الكتب محطات منفصلة عن العمل المهني، بل امتدادًا له، تحمل أثر اللقاءات والقراءات والأسئلة التي راكمتها السنوات، وتمنح الخبرة فرصة أخرى للحوار مع القارئ والبقاء في الذاكرة.

ولم تكن مراجعة التجربة مهنية خالصة؛ فقد امتدت إلى أسئلة الحياة وما تتركه السنوات من تحولات في نظرة الإنسان إلى نفسه والآخرين والعالم. فالمسار الطويل لا يمنح صاحبه إجابات نهائية بقدر ما يضعه أمام أسئلة جديدة، ويعيد ترتيب ما كان يظنه محسومًا. والعودة إلى الماضي ليست حنينًا إليه بقدر ما هي محاولة لفهم الحاضر، واكتشاف أن بعض المعاني لا تتضح إلا بعد مسافة من الزمن.

ومن شرفة السبعين، بدا الدرس الأهم في مواصلة التعلم، وعدم تحويل الخبرة إلى يقين مغلق، أو اعتبار العمر مبررًا للتوقف عن السؤال. فالخبرة الحقيقية ليست تراكمًا للسنوات وحده، بل قدرة على التمييز والمراجعة والإنصات، ورؤية الإنسان خلف الموقف، والمعنى خلف الحدث. وكلما اتسعت الخبرة، ازدادت الحاجة إلى إعادة النظر في الأحكام والأولويات، وإلى الاحتفاظ بالقدرة على الدهشة والتعلم.

وبعد ضجيج العالم والكلمة والأحداث، حضرت مساحة الصمت، لا بوصفها انسحابًا من الحياة، بل فرصة للإنصات إلى ما لا يظهر في صخبها. فثمة خبرات لا تختزلها الوقائع، ومعانٍ تحتاج إلى التأمل حتى تستقر في الوعي؛ وعندها يصبح الصمت وجهًا آخر للمعرفة، لا نقيضًا للكلام. وفي هذه المساحة تتراجع الأحكام المتعجلة، وتتقدم الرغبة في فهم ما مرّ، وما بقي، وما يستحق أن يُحمل إلى المستقبل.

واستعادت الذاكرة كذلك أشخاصًا مرّوا في حياة العفيفي وتركوا أثرهم؛ زملاء وشخصيات أسهمت في تشكيل رؤيته أو توسيع أفقه أو إضاءة طريقه. ففي حياة الصحفي، تتجاوز قيمة اللقاءات حدود العلاقات الشخصية، لتتحول إلى دروس في المهنة، ونماذج في الكتابة، وشهادات على زمن كامل. وتظل بعض الشخصيات حاضرة بما تركته من أثر، حتى بعد أن تنتهي اللقاءات وتبتعد المسافات.

وجمعت سنوات العمل بين رحيق الإنجاز وحريق التحديات، وبين لحظات الرضا واختبارات القدرة على الاحتمال والاستمرار. ولم يكن المسار خطًا مستقيمًا، بل تجربة متغيرة تتجاور فيها النجاحات والعثرات، والمكاسب والخسارات، لتتشكل منها نظرة أكثر اتزانًا إلى المهنة والحياة؛ فلا النجاح وحده يختصر التجربة، ولا العثرات تلغي ما تحقق. وتكمن القيمة في القدرة على مواصلة الحركة، واستخلاص المعنى من التجارب، وعدم السماح لما مضى بأن يعطل ما يمكن أن يأتي.

وفي المحصلة، اتسعت الرؤية لتجمع خيوط التجربة: الكلمة، والكتاب، والعمل الإعلامي، والعلاقات الإنسانية، ومراجعات العمر. ولم تكن الخلاصة إعلانًا عن اكتمال المعرفة أو انغلاق الطريق، بل إدراكًا بأن التجربة، مهما امتدت، تظل مفتوحة على أسئلة جديدة، وأن حصيلتها الأهم ما تمنحه للإنسان من وعي أعمق بذاته وبالعالم من حوله.

ومن هذه الرؤية عاد العفيفي إلى قضية الثقافة ودورها في حياة المجتمعات، مؤكدًا عبارته التي تختصر جانبًا أساسيًا من انشغاله الفكري: «الثقافة هي عصمة أي مجتمع من السقوط». فالثقافة ليست زينة تضاف إلى الحياة العامة، ولا نشاطًا هامشيًا يمكن الاستغناء عنه، بل إحدى وسائل المجتمع لحماية وعيه، ومراجعة أفكاره، ومقاومة التراجع والتسطيح.

وهكذا بدت شرفة السبعين مساحة لرؤية ما تحقق واستخلاص معناه، لكنها لم تكن شرفة وداع، ولا إعلانًا عن نهاية العطاء؛ بل نافذة مفتوحة على أفق جديد. فالدكتور مجدي العفيفي، الذي جعل من الكلمة رفيقة عمره ومن الثقافة بوصلة لعمله، لا يزال يحمل من الأسئلة ما يستحق أن يُكتب، ومن الرؤى ما يستحق أن يُناقش، ومن طاقة العطاء ما يجعل القادم امتدادًا حيًا لما أنجزه، لا مجرد صدى له. فبعض الأعمار تُقاس بما مضى منها، أما أعمار الكبار فتُقاس أيضًا بما لا يزالون قادرين على منحه. ومجدي العفيفي، في هذه المحطة من عمره، لا يطوي كتاب تجربته؛ إنه يتهيأ لصفحات جديدة، ما زالت الكلمة فيها قادرة على أن تضيء، والثقافة قادرة على أن تفتح الطريق.

 ومن هذه الرؤية عاد العفيفي إلى قضية الثقافة ودورها في حياة المجتمعات، مؤكدًا عبارته التي تختصر جانبًا أساسيًا من انشغاله الفكري: «العصمة في يد الثقافة» بمعنى أنها عصمة أي مجتمع من السقوط»؛ فالثقافة، في هذا التصور، ليست زينة تضاف إلى الحياة العامة، ولا نشاطًا هامشيًا يمكن الاستغناء عنه، بل إحدى وسائل المجتمع لحماية وعيه، ومراجعة أفكاره، ومقاومة التراجع والتسطيح.

«أضغاث إعلام».. أسئلة المهنة ومسؤولية الكلمة

واستعادت التجربة كذلك التحولات التي شهدها المجال الإعلامي العربي، في ظل اتساع المنصات وتزايد تدفق المعلومات وتداخل الخبر بالرأي، وتراجع المسافة أحيانًا بين المعلومة الموثوقة والانطباع السريع.

وفي وصفه لبعض مظاهر المشهد الإعلامي الراهن، استخدم العفيفي تعبير «أضغاث إعلام»، في إشارة إلى حالة من التشوش والتداخل تستدعي مراجعة أدوات المهنة ومعاييرها ومسؤولياتها. فوفرة الوسائل لا تعني بالضرورة وفرة في المعرفة، وسرعة تداول الأخبار لا تضمن دقتها، كما أن ارتفاع الصوت لا يجعل الرسالة أكثر عمقًا أو تأثيرًا.

ومن واقع خبرته في الصحافة المكتوبة والعمل الإعلامي والفضائيات، فضلًا عن مشاركته في إعداد نصوص البرامج والأفلام الوثائقية، بدا اهتمامه منصبًا على الفارق بين إعلام يكتفي بملاحقة اللحظة، وإعلام يساهم في بناء الوعي؛ وبين خطاب يستهلك انتباه الجمهور، وآخر يحترم عقله ويمنحه أدوات للفهم والمقارنة والحكم.

وهنا تلتقي أسئلة الإعلام بقضية الثقافة؛ فالمجتمع الذي يضعف فيه الوعي النقدي يصبح أكثر عرضة للتضليل والتسطيح، بينما تمنح الثقافة الإنسان قدرة على التمييز، وتساعده على قراءة الرسائل الإعلامية في سياقها، بدلًا من تلقيها بوصفها حقائق مكتملة.

مداخلات الحضور.. أسئلة مفتوحة

وبعد استعادة محطات التجربة، اتسع اللقاء إلى مداخلات الحاضرين، فتحول التكريم إلى حوار متعدد الأصوات، تداخلت فيه الشهادات الشخصية مع القضايا الثقافية والإعلامية والاجتماعية.

وقدّم الكاتب والإعلامي أحمد محارم، المقيم في الولايات المتحدة، كلمة الحضور، مستعيدًا أهمية اللقاءات التي تجمع أصحاب التجارب المختلفة، ومشيرًا إلى ما يمكن أن يصنعه الصالون من مساحة للحوار وتبادل الأفكار. كما قدّم كتابه «دنيا الناس.. هموم واهتمامات»، في سياق يؤكد الصلة بين الكتابة وشؤون الناس وأسئلتهم اليومية.

واستحضر محارم، مستلهمًا عنوان كتاب أنيس منصور «في صالون العقاد كانت لنا أيام»، أفقًا ثقافيًا قريبًا من روح المبادرة الجديدة، معبرًا عن أمله في أن يكون الصالون مساحة تتجدد فيها اللقاءات والأفكار، وقال في عبارة لاقت صداها بين الحضور: «من الآن فصاعدًا، في صالون الدكتور مجدي العفيفي، سوف تكون لنا أيام وليالٍ». وهي عبارة حملت معنى يتجاوز المجاملة إلى التطلع لولادة تقليد ثقافي تتكرر لقاءاته وتتراكم ثماره.

كما حضرت الإشارة إلى كتاب الدكتور كمال توبة «ما لا ينساه العمر»، الذي أهدى المهندس محمد عبد المنعم نسخًا منه، في لفتة اتصلت بأجواء اللقاء وما دار فيه من حديث عن الذاكرة وتجارب الحياة وما يبقى منها.

وتحدثت الدكتورة نجلاء مقلد، رئيس جمعية الصرح، عن قضية «الاختلال العاطفي»، متناولة أهمية التوعية بمخاطر الابتزاز العاطفي واستغلال شبكات التواصل الاجتماعي للنصب على البسطاء، وما يفرضه ذلك من ضرورة تعزيز الوعي المجتمعي وحماية الأفراد من صور الاستغلال التي تتخفى وراء العلاقات أو الرسائل المضللة.

أما الدكتورة فاطمة سليمان، الصحفية، فتناولت جوانب من تجربتها الإعلامية والمجتمعية داخل مصر وخارجها، بما أضاف إلى اللقاء منظورًا آخر حول العلاقة بين العمل الإعلامي والتواصل المجتمعي، ودور التجربة الشخصية في فهم التحولات التي تشهدها المهنة والمجتمعات.

وشهدت الاحتفالية مشاركة عدد من الشخصيات الصحفية والثقافية والمجتمعية، من بينهم سالم وهبي، رئيس تحرير «الأهرام الاقتصادي» السابق، ومحيي عبد الغفار، مدير تحرير «الأخبار»، ومجدي الشاذلي، مدير تحرير مجلة «أكتوبر»، ووليد مقلد الكاتب والناشط المجتمعي وخبير التنمية البشرية، والصحفي جمال إمام، والكاتب حربي باشا، إلى جانب آخرين من المهتمين بالشأن العام والثقافة والإعلام.

وقد عكست هذه المداخلات تنوعًا في الخبرات والاهتمامات؛ فبين قضايا الإعلام والوعي المجتمعي، وتجارب الكتابة والذاكرة، وأسئلة الابتزاز الرقمي ومسؤولية المنصات، اتسعت دائرة النقاش لتؤكد أن الصالون لا يستمد قيمته من أسماء المشاركين وحدها، بل من قدرته على تحويل اللقاء إلى حوار، والحوار إلى أسئلة تستحق المتابعة.

من مناسبة واحدة إلى موعد متجدد

استغرقت الاحتفالية نحو أربع ساعات، لم تكن خلالها الكلمات مجرد فقرات متتابعة في برنامج تكريم، بل حلقات متصلة في نقاش أوسع حول الصحافة والثقافة والذاكرة والمسؤولية الاجتماعية. وقد منح تنوع المشاركين اللقاء طابعًا يتجاوز الاحتفاء بشخصية واحدة، ليفتح المجال أمام مبادرة يُنتظر أن تستوعب أصواتًا وتجارب متعددة.

وتتجلى أهمية إطلاق «صالون الدكتور مجدي العفيفي الفكري» في أنه ينقل فكرة الحوار من مناسبة استثنائية إلى موعد دوري، ويمنح المثقفين والإعلاميين والباحثين فرصة للالتقاء ومناقشة القضايا التي تشغل المجتمع، في مناخ يسمح بتعدد الرؤى وتبادل الخبرات.

فالصالونات الثقافية، كما يراها العفيفي، ليست مجالس للوجاهة الاجتماعية، ولا مجرد مناسبات لتبادل المجاملات، وإنما منابر فكرية يمكنها أن تحرك المياه الراكدة، وتطرح الأسئلة التي تتراجع أحيانًا أمام ضجيج الحياة اليومية. وقد يكون أثرها، متى صدقت في رسالتها وتنفست بحرية، أعمق من أثر بعض المنابر الإعلامية؛ لأنها تقوم على الحوار المباشر، والإنصات المتبادل، وحرية عرض الأفكار ومناقشتها.

ومن هنا، يلتقي التكريم بالمبادرة في معنى واحد: تقدير تجربة ثقافية من خلال فتح المجال أمام استمرار الفعل الثقافي. فالمسيرة التي استعادها العفيفي من «شرفة السبعين» لا تُختتم عند حدود الذاكرة، بل تواصل حضورها عبر مساحة جديدة للحوار والعمل، فيما يصبح الصالون اختبارًا عمليًا لفكرة أن الثقافة لا تحيا بالتأمل وحده، وإنما تحتاج إلى لقاءات ومناقشات ومبادرات تمنحها مكانًا في حياة الناس.

وهكذا انتهت الأمسية إلى ما هو أبعد من درع تكريم وشهادات تقدير؛ إلى إعلان بداية مشروع ثقافي شهري يحمل وعدًا بالاستمرار، ويجمع بين خبرة الماضي وأسئلة الحاضر وتطلعات المستقبل.

وفي قلب هذه البداية تظل العبارة التي أكدها العفيفي حاضرة بوصفها مبدأً ناظمًا للمبادرة كلها: «العصمة في يد الثقافة» بمعنى أنها عصمة أي مجتمع من السقوط؛ وهي دعوة إلى أن تظل الثقافة فعلًا حيًا في المجتمع، لا ترفًا مؤجلًا، وأن يصبح الحوار طريقًا لبناء الوعي، لا مجرد مناسبة عابرة في روزنامة الاحتفالات.

صور (6).jpeg
صور (5).jpeg
صور (4).jpeg
صور (3).jpeg
صور (2).jpeg
صور (1).jpeg
 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z