الوقف الخليجي.. دستور لتنمية المستقبل وبناء الإنسان

 

 

 

خالد بن خميس بن جمعة المويتي

تسعى المجتمعاتُ الحديثةُ لتأمين مستقبلها عبرَ نظرياتٍ صناعيةٍ، وماليةٍ شتى، لكنَّ الأممَ الواعيةَ هيَ التي تستنطقُ عبقريةَ تراثها؛ لتصنعَ منهُ دستورًا تنمويًا، متجددًا، لا يعرفُ الأفولَ.

وفي هذا الإطار الشامخ، تشاركُ سلطنةُ عُمانَ أشقاءَها في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الاحتفاءَ بالأسبوع الوقفيّ الخليجيّ، خلالَ الفترة منْ الحادي عشرَ إلى الخامسَ عشرَ منْ أكتوبرَ لعام ألفين، وستةٍ وعشرينَ ميلاديةٍ، تحتَ شعارٍ يلخصُ فلسفةَ البقاء: "الوقفُ والتنميةُ الوطنيةُ".

إنَّ هذا الاحتفالَ- مَعَ كَوْنه مُهمًّا جدًّا- إلَّا أَنَّهُ تأكيدٌ صارمٌ على مكانة هذه الشعيرة في الوجدان الشرعيّ، والاجتماعيّ، وتعظيمٌ لدورها الحيويّ في خدمة الإنسان، وديمومة النماء الشامل.

يقومُ الوقفُ في جوهره الفقهيّ على أصلٍ بالغ الرصانة: حبسُ العين، وتسبيلُ المنفعة؛ مما يجعلُ نبضَ الخير ممتدًا متصلًا حتى بعدَ أن تتوارى أجسادُ الواقفينَ تحتَ الثرى.

ولمْ يكنْ الوقفُ يومًا موروثًا جامدًا، يُكتفى بحفظه في سجلات التاريخ، بلْ كانَ نبضًا حَيًّا يواكبُ الحاجات البشرية؛ إذ تجاوزتْ وظائفهُ حدودَ البرّ الفرديّ الضيق، بل سَعَتْ لتأسيس بنيةٍ خدميةٍ شاملةٍ، رعتْ المساجدَ، وموَّلتْ منارات العلم، وكتابةَ المصاحف، واحتضنتْ طلابَ المعرفة.

وفي سلطنة عمانَ، ارتبطَ هذا المعينُ بتفاصيل الحياة اليومية، منذُ صدر الإسلام؛ فتعددتْ مصارفهُ، وتشكلتْ حولهُ أعرافُ نظارةٍ أمينةٍ، نقلتْ الأصولَ بينَ الأجيال بأعلى درجات النزاهة، والوفاء الرصين.

ولعلَّ التجربةَ العُمانيةَ تقدمُ أمثلةً واقعيةً نادرةً، تبينُ كيفَ يمتزجُ الوقفُ بشرايين الأرض؛ فمنْ أقدمها أوقافُ الصحابيّ مازن بن غضوبةَ، ووقفُ الإمام الوارث بن كعبٍ الذي ما زالَ ريعهُ متدفقًا إلى مصارفه الشرعية حتى يومنا هذا.

وفي الداخل العمانيّ، تجلتْ عبقريةُ الإنسان حينَ خصّصتْ آثارٌ منْ مياه الأفلاج لصيانة الكتب، ودعم المدارس، كما في فلج دارسَ بنزوى، وفلج الميسَّر بالرستاق؛ مما ربطَ البرَّ بديمومة الموارد المائية، والزراعية.

بلْ إنَّ السجلات عرفت أوقافًا دقيقةً لصيانة عصيّ العميان، ومغاسل الموتى، وعلاج الأمراض، وصولًا إلى أصول مسجد الخور في مسقطَ، الذي غدا في القرن التاسعَ عشرَ منارةً علميةً، قادتْ الفكرَ، والقضاءَ، والسياسةَ.

ولمْ ينقطعْ هذا النهجُ في العصر الحديث، بلْ تحولَ إلى فكرٍ مؤسسيٍّ، رائدٍ؛ كما نراهُ في مؤسسة الإمام جابر بن زيدٍ الوقفية، التي تأسستْ بمبادرةٍ كريمةٍ منْ سماحة الشيخ الوالد :"أحمد بن حمد الخليليّ"، المفتي العامّ لسلطنة عُمانَ؛ لتقدمَ أنموذجًا حديثًا، قائمًا على الحوكمة، وتنمية الأصول، وتوجيه العوائد لخدمة العلوم الشرعية؛ إذْ إنَّ عَطَاءَهَا مُتَعَلّقٌ بالْعنَايَة بالتَّمْكين الْعلْميّ، وَالْمَعْرفيّ، وَالْفكْريّ، وَالشَّبَابيّ.

إنَّ هذا الانتقالَ منْ العين المفردة إلى المؤسسية الشاملة، كما يتجلى في صحارَ، وصورَ، والبريميّ، وفي الصناديق الوقفية للتقانة، ويعتبر الرد العلمي لكيفية تحويل الأصول الساكنة إلى قيمةٍ مضافةٍ، دونَ الإخلال بشرط الواقف.

ومتى ما اجتمعتْ شفافيةُ النظارة، معَ كفاءة الاستثمار- صارَ الوقفُ سندًا مكملًا للسياسات العامة في التعليم، والصحة، ومنسجمًا معَ مستهدفات رؤية عمانَ ألفين، وأربعينَ في تنويع الدخل، وديمومة البناء.

إنَّ النظرةَ المستقبليةَ تقتضي تضافرَ جهود الأفراد، والمؤسسات لتوجيه الأصول الوقفية، نحو قطاعاتٍ حيويةٍ، تخدمُ الأولويات الوطنيةَ، وتدعمُ المشاريعَ الرقميةَ والتقنيةَ الحديثةَ. فالوقفُ في حقيقته طاقةٌ متجددةٌ، تبني عقولَ الشباب، وتوفرُ فرصَ التمكين الاقتصاديّ المستدام لكلّ فئات المجتمع.

وعندما تلتقي كفاءةُ الحوكمة الإدارية مع الرؤية الاقتصادية الحديثة- يتحولُ الفكرُ الوقفيُّ منْ مجرد جباية ريعٍ ثابتٍ، إلى استثمارٍ تنمويٍّ واعدٍ، يخدمُ قضايا الأمة. 

إنَّ مثلَ هذه الملتقيات بينَ دول مجلس التعاون الخليجيّ، هيَ منصاتٌ، تتبادلُ فيها الأقطارُ الخليجيةُ نتائجَ عملها؛ مما يؤكدُ أنَّ رباطَ الأخوة لا يقتصرُ على ميادين الاقتصاد وحسب، بلْ يمتدُّ ليصنعَ فجرًا جديدًا للأجيال القادمة بسندٍ وقفيٍّ، لا ينقطعُ.

وأقترح على القراء الأعزاء الرجوع إلى كتابُ "تحفة الأعيان بسيرة أهل عمانَ"؛ للشيخ العلامة نور الدين عبد الله بن حميد بن سلومٍ السالميّ، وموسوعةُ "بيان الشرع"؛ للشيخ الفقيه القاضي محمد بن إبراهيم بن سليمانَ الكنديّ النزويّ، وذلك لمزيد من التوسع في المعارف حول هذه القضية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z