من المعشري والملولي إلى برنامج اكتشاف المواهب

 

سالم بن ربيع الغيلاني

هل تملك سلطنة عُمان مواهب رياضية قادرة على صناعة أبطال أولمبيين؟ الإجابة، في تقديري، نعم. ففي عام 1998، وخلال إحدى البطولات العربية للسباحة، كان منتخبنا الوطني يقوده المدرب التونسي شكري زروق، الذي التقى هناك بزملائه في بعثة المنتخب التونسي المشارك في البطولة. وفي أجواء المنافسة، دخل زروق في رهان مع أحد مدربي المنتخب التونسي حول نتيجة سباق 200 متر حرة للناشئين، جمع سباحًا عُمانيًا واعدًا بآخر تونسي لم يكن قد صنع اسمه بعد في عالم السباحة. انتهى السباق بتفوق السباح العُماني ناصر سالم المعشري على منافسه التونسي أسامة الملولي. وربما لم يكن أحد يومها يتصور أن هذين السباحين سيسلكان طريقين مختلفين إلى هذا الحد؛ فالملولي مضى في مسيرته حتى اعتلى منصة التتويج الأولمبية، بينما غاب المعشري تدريجيًا عن المشهد، حتى كادت ذاكرة الرياضة العُمانية تطوي اسمه.

والمُفارقة أن المدرب التونسي أدرك يومها قيمة الموهبة العُمانية، وسعى إلى إتاحة الفرصة لسباحه للتدرب مع المعشري، سواء في تونس أو السلطنة لكن المسيرتين انتهيتا إلى مصيرين مختلفين؛ أحدهما وجد الطريق إلى المجد الأولمبي، والآخر لم يجد المسار الذي يحفظ لموهبته فرص التطور والاستمرار. وأهمية القصة هنا ليست في نتيجة سباق واحد، وإنما في سؤال أعمق: كيف استطاعت بيئة رياضية تحويل موهبة إلى بطل أولمبي، بينما عجزت أخرى عن المحافظة على موهبة أظهرت قدرات واعدة؟

والآن وبعد ما يقارب ثلاثة عقود، أطلقت وزارة الثقافة والرياضة والشباب «البرنامج الوطني لاكتشاف وتنمية قدرات الرياضيين الموهوبين في سلطنة عُمان»، في خطوة انتظرناها طويلًا، وسط نزيف للمواهب عانت منه رياضتنا لعقود. فهل بدأنا أخيرًا الانتقال من مرحلة «الرياضة من أجل الرياضة» إلى مرحلة «الرياضة من أجل الإنجاز»؟

لفهم أهمية هذا التحول، ينبغي العودة إلى منتصف سبعينيات القرن الماضي، حين بدأت الرياضة العُمانية مسيرتها المنظمة في مرحلة انصب فيها الاهتمام على بناء مؤسسات الدولة وتوفير الخدمات ومقومات الحياة العصرية. وكانت المنشآت والأنشطة الرياضية جزءًا من مشروع التنمية، أكثر من كونها استثمارًا يستهدف صناعة الأبطال.

ولم يكن ذلك خللًا في حينه، بل استجابة طبيعية لأولويات المرحلة. غير أن الإشكالية تمثلت في استمرار بعض أنماط التفكير التي تشكلت آنذاك، رغم تغير الظروف وتبدل الأولويات؛ فظل الاهتمام منصبًا على توفير الإمكانات وتنظيم الأنشطة، دون الانتقال بالقدر الكافي إلى قياس العائد الرياضي وصناعة الإنجاز. واليوم، بعد خمسة عقود، يبدو أن الوزارة تتبنى مقاربة مختلفة، تقوم على اكتشاف المواهب وتنميتها وفق أسس علمية.

ولعل ما يستحق التقدير في هذه الخطوة أنها تعكس إدراكًا لأحد أبرز التحديات التي واجهت رياضتنا طويلًا، وهو غياب المسار المنظم الذي يحوّل الموهبة إلى إنجاز. ومن الإنصاف أن نثمّن هذا التوجه ونمنحه ما يستحقه من تشجيع ومساندة، دون أن نحمّله منذ انطلاقته مسؤولية معالجة اختلالات تراكمت عبر عقود. لكن نجاحه يظل مرهونًا بتهيئة البيئة التي تمنح الموهبة أسباب النمو والاستمرار.

وهنا تبرز ثلاث حواضن أساسية: الأسرة والمدرسة والمجتمع؛ فالأسرة لا تنظر إلى الرياضة من زاوية الإنجاز وحده، وإنما من زاوية مستقبل أبنائها واستقرار حياتهم. وقد تتردد في دعم موهبة رياضية إذا شعرت أن التفوق الرياضي سيأتي على حساب التحصيل العلمي أو فرص العمل. ولذلك، فإن كسب ثقتها لا يتحقق بالحملات التشجيعية وحدها، بل بفهم مخاوفها وتقديم مسار واضح يطمئنها على مستقبل أبنائها التعليمي والمهني.

ومن هنا، ينبغي أن يصبح التفوق الرياضي عنصرًا معتبرًا في تقييم الطالب وتوجيه مساره التعليمي، وأن تُتاح للموهوبين منح دراسية وفرص للالتحاق بمؤسسات تعليمية تحقق التكامل بين التحصيل الأكاديمي والتطور الرياضي. فليس من المنطقي أن نطالب الأسرة بصناعة بطل، ثم نتركها وحدها تتحمل كلفة هذا الطموح ومخاطره.

أما المدرسة، فلا ينبغي أن يقتصر دورها على اكتشاف المواهب، بل أن تكون شريكًا في تنميتها، عبر برامج متخصصة ومسارات تعليمية مرنة تراعي متطلبات التدريب والمنافسة. ويمتد ذلك إلى المجتمع، من خلال بناء ثقافة تعزز قيمة الرياضة، وتوفير فضاءات آمنة وميسرة لممارستها؛ فكلما اتسعت قاعدة الممارسة، اتسعت فرص ظهور المواهب.

وثمة جانب لا يقل أهمية، يتعلق بدراسة الخصائص الجغرافية والاجتماعية لمناطق السلطنة، وتوظيفها في توجيه برامج اكتشاف المواهب. فالمناطق الجبلية والمرتفعة قد توفر ظروفًا مناسبة لبعض برامج إعداد رياضيي التحمل، والمناطق الساحلية تتيح فرصًا أوسع للرياضات المائية، فيما يمكن أن تساعد دراسة الميول والخصائص البدنية على تحديد الرياضات الأكثر ملاءمة لبعض البيئات. ولا يعني ذلك حصر أبناء كل منطقة في رياضات محددة، وإنما استثمار هذه الخصائص لزيادة فرص اكتشاف القدرات الكامنة؛ فالموهبة لا ينبغي أن تبقى رهينة المصادفة أو بطولة مدرسية عابرة، بل يجب البحث عنها بأساليب علمية متنوعة، تعتمد على المسح، والاختبارات، والقياس، والمتابعة.

غير أن الاكتشاف ليس سوى البداية؛ فالموهبة تحتاج إلى دافع يحافظ على شغفها، وإلى حوافز تجعل الرياضة مشروع حياة لا مغامرة مجهولة العواقب. وقد قدم رياضيون عُمانيون، مثل علي الحبسي، وعمر الغيلاني، نماذج لما تصنعه الإرادة والطموح والمثابرة، لكن نجاح هؤلاء ينبغي ألا يجعلنا نعتمد على الاستثناءات الفردية. فالمطلوب أن نخلق الدافع لدى من يفتقده، ونوفر الممكنات لمن يمتلك القدرة، ونمنح الرياضي أفقًا يستحق ما يبذله من جهد وتضحيات.

وهنا يتعين على المؤسسات الرياضية والجهات الحكومية ذات الصلة أن ننتقل من العمل التفاعلي إلى العمل الاستباقي؛ أن تبحث عن البطل قبل ظهوره، وتزيل العوائق قبل أن تعترض طريقه، وألا تترك مستقبله مرهونًا باجتهاداته الشخصية أو تضحيات أسرته؛ فالتحدي الحقيقي أمام البرنامج الوطني ليس في عدد المواهب التي سيكتشفها، وإنما في قدرته على المحافظة عليها وتحويلها إلى أبطال، ضمن منظومة مؤسسية لا تتأثر بتغير الأشخاص والإدارات والأولويات.

وبالعودة إلى المعشري والملولي، فإن الدرس الذي ينبغي أن يبقى في ذاكرتنا ليس أن سباحًا عُمانيًا تفوق ذات يوم على بطل أولمبي، بل أن الموهبة وحدها لا تكفي لصناعة الإنجاز. لقد امتلكنا المواهب من قبل، لكننا لم نمتلك دائمًا المنظومة التي تصنع منها أبطالًا. فهل يكون البرنامج الوطني بداية لتغيير هذه المعادلة، أم أننا سنواصل اكتشاف المواهب ثم نتركها للنسيان؟

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z