د. صالح بن سعيد مسن
الحادي عشر من أكتوبر يتجاوز كونه تاريخًا مُجردًا في التقويم الميلادي؛ فهو مناسبة لاستحضار مسيرة قائد، والتأمل في مرحلة من تاريخ عُمان الحديث، وقراءة ملامح فكر قيادي تتجلى أبعاده في القرارات والمواقف والتحولات التي تشهدها سلطنة عُمان. ففي هذا اليوم، الذي يصادف ذكرى ميلاد حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- تتجدد مساحة التأمل في منهجه في القيادة وإدارة شؤون الدولة، وفي السمات التي أخذت تتبلور في تجربته منذ توليه مقاليد الحكم.
ومن هنا، وجدتُني أميل إلى قراءة متأنية في الفكر السامي لجلالته، ومحاولة استنباط بعض ملامح المنهج القيادي الذي يتبناه جلالة السلطان المفدى؛ سواء في إدارة مؤسسات الدولة، أو في التعامل مع الملفات الاقتصادية والتنموية، أو في تحديد أولويات المرحلة ومواكبة التحولات الإقليمية والدولية.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن فكر جلالة السلطان ليس محاولة للإحاطة بجميع أبعاد هذا الفكر، بقدر ما هو التقاط بعض ملامحه، وفهم المنطلقات التي قد تعكسها توجهاته في إدارة الدولة، والتعامل مع المتغيرات، وتحديد الأولويات، واستشراف المستقبل.
فمنذ تولي جلالته- أيده الله- مقاليد الحكم في سلطنة عُمان في يناير 2020، يمكن للمتابع أن يرصد ملامح هذا المنهج في إدارة الدولة والتعامل مع ملفاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومع تراكم القرارات والمواقف، أصبح من الممكن تأمل هذه الملامح بوصفها نواة لمنهج قيادي متفرد يمكن أن نطلق عليه، على سبيل الوصف والتحليل، «المدرسة الهيثمية»؛ وهي مدرسة لا تقوم على القطيعة مع التجربة العُمانية السابقة، بل تبدو امتدادًا لها، مع إعادة ترتيب الأولويات، وتطوير أدوات الإدارة، والاستجابة لمتطلبات مرحلة مختلفة، تفرضها التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والتغيرات في البيئة الإقليمية والدولية.
ولعلَّ من أبرز الملامح التي يمكن رصدها في المرحلة الحالية الحضور الواضح للملف الاقتصادي في إدارة الدولة، وما يرتبط به من اهتمام بالتنويع الاقتصادي، وتحسين بيئة الأعمال، وجذب الاستثمارات، وتعزيز دور القطاع الخاص؛ فالاقتصاد لم يعد مجرد ملف فني تتولاه المؤسسات المختصة بمعزل عن بقية أجهزة الدولة، وإنما أصبح جزءًا من مشروع أوسع لإعادة تنظيم العمل الحكومي، ورفع كفاءة المؤسسات، وتحسين استغلال الموارد، وربط الخطط والبرامج بالأهداف التنموية. ومن هنا جاء إنشاء مكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية لإدارة جميع هذه الملفات بشكل شمولي وتعزيز التكامل بين المؤسسات الحكومية المعنية بالملف الاقتصادي.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الاهتمام بالاقتصاد؛ باعتباره تعبيرًا عن إدراك أهمية بناء قاعدة إنتاجية أكثر تنوعًا، وتوسيع الفرص أمام الاستثمار، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التقلبات، بما يدعم استدامة التنمية ويهيئ للأجيال القادمة فرصًا أوسع.
وفي السياسة الخارجية، تواصل سلطنة عُمان التمسك بنهجها القائم على الحوار والتوازن، وعدم الانخراط في الاستقطابات الإقليمية، والحفاظ على علاقات مع مختلف الأطراف، بما يتيح لها الإسهام في تقريب وجهات النظر وتهيئة الظروف للحلول السياسية.
وفي هذا الجانب، تبدو استمرارية النهج العُماني واضحة؛ إذ تمثل الدبلوماسية الهادئة، وبناء الثقة، وتجنب التصعيد غير الضروري، ركائز راسخة في السياسة الخارجية للسلطنة.
وإذا كانت هذه الثوابت قد ارتبطت في الوجدان العُماني بالتجربة القابوسية، فإنَّ المرحلة الحالية تواصل البناء عليها في ظل بيئة إقليمية ودولية أكثر تعقيدًا، بما تفرضه من تحديات جديدة وتوازنات متغيرة؛ فالدبلوماسية ليست في ارتفاع نبرة الخطاب، وإنما في القدرة على فتح قنوات التواصل، وصيانة المصالح الوطنية، والإبقاء على مساحة للحوار حتى في أكثر الظروف حساسية.
ومن هنا، فإن قراءة هذا الجانب من المدرسة الهيثمية تقتضي النظر إلى ما يجمع بين استمرارية الثوابت ومرونة التعامل مع المتغيرات، دون افتراض أن اختلاف الظروف يقتضي بالضرورة اختلاف المبادئ.
أما في الجانب الاجتماعي، فيُمكن ملاحظة أهمية سرعة التفاعل مع القضايا التي تشغل الرأي العام، والاستجابة للتحولات التي يشهدها المجتمع، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة واحتياجات المواطنين؛ فالدولة الحديثة لا تُدار بالقرارات الإدارية وحدها، وإنما بقدرتها على فهم المجتمع، واستيعاب تطلعاته، ومُراجعة السياسات عندما تستدعي الحاجة ذلك.
ومن هذا المنطلق، فإنَّ الإصغاء إلى المجتمع والتفاعل مع قضاياه لا يمثلان مجرد جانب من جوانب التواصل، بل عنصرًا مهمًا في تطوير الإدارة العامة وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات. ولا يعني ذلك أن جميع القضايا يمكن معالجتها بالسرعة ذاتها، أو أن الاستجابة لكل مطلب ممكنة بالضرورة؛ فهناك اعتبارات اقتصادية وقانونية ومؤسسية تحكم عملية اتخاذ القرار. لكن التحدي يكمن في تحقيق التوازن بين سرعة الاستجابة، وجودة القرار، واستدامة الحلول.
يُتبع،،،
