عُمان تطير بجناحيها معًا

 

 

 

مرفت بنت عبدالعزيز العريمي

حين يلوح في الأفق السابع عشر من أكتوبر، لا أرى فيه مُجرد تاريخ يُدوّن على الورق، بل أراه وقفة صدق مع الذات، ومحطة غالية للاحتفاء بعطاءات نساء عُمان اللاتي صِغن بجهودهن ملامح هذا الوطن وصنعن الفارق.

تلك الذكرى تعود بنا إلى ختام ندوة المرأة العُمانية بسيح المكارم عام 2009؛ ذلك المنعطف التاريخي الذي رسمت فيه الإرادة السياسية مسارًا تشريعيًا لتمكينها. ولكن، حين تُفتش في دفاتر الأيام وتتأمل عمق هذه الأرض، تُدرك يقينًا أن هذا التكريم لم يكن منحة طارئة، بل هو امتداد طبيعي لخصوصية الحضارة العُمانية التي مكنت المرأة منذ القدم، وجعلت منها شريكًا أصيلًا لا غنى عنه.

والمرأة العُمانية عبر التاريخ هي الاستثناء الحقيقي؛ استثناءٌ تجسّد في حكمتها البالغة، وقوتها الشامخة، وحنكتها الفطرية التي جعلت منها ركيزة لا غنى عنها لبقاء واستقرار المجتمع.

هذه كينونة استثنائية تشبه تمامًا تلك الأشجار الطيبة؛ تميل مع الرياح، ولكن لا تكسرها العاصفة. ففي الحقب الغابرة، شهدت هذه الأرض نساءً أدرن شؤون البلاد في أصعب الأوقات بتلك الحنكة السياسية الرفيعة. وفي منابر العِلم، كانت المعلمة والفقيهة والعالمة منارة يُقصد رأيها وتُستشار في أدق المسائل بفضل حكمتها، مثلما كانت الأديبة جسرًا ينقل وعي عُمان إلى العالم. وحتى في تفاصيل الحياة البسيطة، فهي "الحاضرة الغائبة"؛ تعمل في صمت ولا يُسمع منها غير ضجيج عملها في إعداد الأجيال والمشاركة في تأمين حياة أفضل لها ولأسرتها. فعندما كان الرجال يمخرون عباب البحار لأشهر طويلة، برزت قوتها كمؤتمَنة ومُلهِمة للمجتمع المحلي؛ فهي التي زرعت الأرض بكفاحها، وصعدت الجبل بشموخها، وهندست الفلج بحنكتها، محافِظةً على تماسك المنظومة الاقتصادية والاجتماعية، وغارسةً في نفوس النشء قيم الصبر والتفاني الفاضلة.

ومنذ أن خُصص هذا اليوم السنوي، تحوَّلت التطلعات إلى مكتسبات ملموسة نعيشها في واقعنا المعاصر. ولعل الفجر الحديث لتمكينها انبثق من بوابات المدارس وقاعات الجامعات؛ وهو لم يكن يومًا منبتّ الجذور، بل جاء امتدادًا طبيعيًا لإرث نساء عُمان اللواتي حظين بالتعليم منذ القدم عبر مدارس القرآن الكريم والكتاتيب التقليدية التي أدارتها معلمات قديرات في مختلف الحارات والولايات العُمانية. هذا العشق الأزلي للمعرفة تطور في العصر المعاصر لتتساوى الفرص التعليمية وتفوقت الفتاة العُمانية لتشكل النسبة الأكبر في مقاعد التعليم العالي، وتبدع في مجالات الهندسة، والطب، والابتكار، والبحث العلمي، والعلوم التكنولوجية الحديثة والأدب والتجارة والمال وغيره من المجالات؛ فالتعليم المعاصر لم يكن بناءً من العدم، بل كان ارتقاءً بوعيها، وكينونتها، وثقتها بنفسها المستمدة من ماضيها الاستثنائي.

هذا الوعي المعرفي توّج بمنجزات حقوقية وتشريعية راسخة؛ كفلها النظام الأساسي للدولة الذي نص صراحة على المساواة التامة، ووفر بيئة تشريعية آمنة تحمي المرأة وتضمن لها الاستقلال المالي والعملي الكامل وتكافؤ الفرص في شتى الميادين، بل ومشاركتها الفاعلة في صناعة القرار وتطبيق العدالة من خلال تواجد المرأة العُمانية على منصات القضاء، ووصولها إلى أرفع المناصب السياسية والدبلوماسية كوزيرة ووكيلة وزارة وسفيرة وعضو في المجالس التشريعية.

الاحتفاء الحقيقي بالنسبة لي يتجاوز الحفلات؛ إنه فعل مُستمر ينبع من إيماني بمسؤوليتي كامرأة عُمانية استثنائية.

إنني لأحتفي بما تحقق من استحقاقات لها وبها، وأسيرُ عبر التعلم المستمر وتطوير الذات لأترك بصمة حقيقية في المجتمع. أحتفي بنقل القيم الأصيلة للأجيال، لحمايتهم في عصر الانفتاح الرقمي. وأحتفي بالمشاركة الإيجابية في كل محفل تنموي، ممتنةً في الوقت ذاته لكل امرأة مكافحة ومثابرة في هذا المجتمع المعطاء.

إننا نسير اليوم بثبات في ظل العهد الزاهر المتجدد لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- وبدعم كريم ومبادرات إنسانية مشهودة من السيدة الجليلة -حفظها الله- نحو تحقيق رؤية "عُمان 2040"؛ فالمرأة العُمانية، أينما كانت وأينما حلّت، فبصمتها شاهدةٌ على أصالتها وعطائها الذي لا ينضب.

ويبقى طموحنا كنساء عُمانيات لا تحده سماء، مُستنداتٍ إلى تاريخنا العريق، لنُؤكد للعالم دائمًا أن عُمان تطير بجناحيها معًا، وأن المرأة العُمانية استثناء وستبقى دائمًا رمزًا للمثابرة، والإبداع، والقوة الشامخة.. دُمتِ لعُمان، ودامتْ عُمان لنا.

الأكثر قراءة

z